Showing posts with label ليبيا. Show all posts
Showing posts with label ليبيا. Show all posts

Thursday, 3 September 2015

الصفحة الليبية لم تنطو بعد





كان للفاتح من سبتمبر، أى الأول من شهر سبتمبر وقد صادف أمس الأول، مكانة خاصة عند كثيرين، توزعوا بين من قاموا بالتحرك ساعة الفجر منه عام 1969 ليغيروا نظام الحكم فى المملكة الليبية وأطلقوا على أنفسهم اسم الضباط الوحدويين الأحرار، وعرف فيما بعد أن قائدهم شاب برتبة الملازم أول لا يتجاوز عمره السابعة والعشرين واسمه معمر أبو منيار القذافي، وبين من تحمسوا للحدث وساندوه واعتبروه عند قيامه ولسنوات طويلة بعدها انتصارا للخط القومى العربي، وللتيار الناصري، وبين من وجدوا فيه فرصة تتجلى فيها كل مهاراتهم العقلية والنفسية الاحتيالية الانتهازية التربحية إذا جازت الأوصاف.. وينضم إلى كل هؤلاء أخيرا خصوم هذا التغيير وأعداء ذلك المنهج، وقد توزعوا على مساحة كبيرة تضم عربا أقحاحا وإسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الغربية!

وربما كانت ثورة الفاتح كحدث ومسار ومعها فى وحدة عضوية قائدها معمر القذافى من أكثر الظواهر السياسية تعقيدا وغرابة، ليس فى المنطقة وحسب وإنما فى العالم كله، وربما لم يتكرر نموذج مشابه لها منذ عرفت البشرية النظام الجمهورى الذى كان لمعمر القذافى السبق فى التنظير لتجاوزه، باعتباره مرحلة منقضية حل محلها العصر الجماهيري، ولذلك حملت ليبيا اسم الجماهيرية العربية الليبية!

عن نفسى أبدأ باعتراف هو أنه منذ الأيام التى جرت فيها الأحداث التى أدت إلى مصرع معمر القذافى ومعه أبو بكر يونس وآخرون وأنا أتأمل وأتابع بدقة شديدة وأتأثر لدرجة الألم وتمزق المشاعر وتعطل التفكير كلما تم الإمعان فى تفكيك وتفتيت وتدمير الوطن الليبي، ولذلك لم أعمد إلى الكتابة المباشرة ولا إلى اتخاذ موقف واضح معلن!.. ليس لنقصان فى الشجاعة ولا لنقص المعلومات وإنما لأن ما جرى كان وسيبقى محطة فى مسيرة التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى التى عرفتها المنطقة، التى أسميها الوطن العربى منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وأيضا بعد حرب 1948.

ثم إننى لست بصدد كتابة تاريخ تلك التحولات لأن دور المؤرخ لم يأت بعد، لأن الأحداث لم تكتمل ومازالت تتراكم كميا وتتحول كيفيا.. ناهيك عن أننى اعترف أيضا بافتقادى إمكانية ممارسة التجرد الموضوعى النسبى الذى يفترض وجوده لدى المؤرخ لأننى اعتبر فى أعراف مناهج البحث شاهدا على الأحداث وفى بعض الحالات مشاركا فيها!

عندئذ يكون السؤال ولماذا الكتابة الآن إذن؟ وأجيب مباشرة لأننى قبل كتابة هذه السطور مساء الثلاثاء ـ أمس الأول ـ كنت قد شرعت فى كتابة مقال عن محنة تعاملى مع إدارة وبريد الأهرام، وهى محنة قاسية وغريبة بكل المعايير، وكنت قد انتهيت من نصف المقال تقريبا إلا أننى أجلته.. وبعدها شرعت فى الكتابة عن السوس الذى ينخر الدولة المصرية والعتة التى تهتك نسيجها، وفى لحظة سألت من معي: « النهارده كم فى الشهر؟!» فقيل الأول من سبتمبر، وعندها أطل أمامى مباشرة وجه كثير من الأصدقاء الليبيين الذين عرفتهم واقتربت منهم وناقشتهم وعاركتهم وصافيتهم لسنين طويلة ممتدة من فبراير 1972 وإلى الآن!.. وتذكرت الفاتح من سبتمبر والمهرجانات والندوات والوفود الحاشدة وحلقات المدح التى انقلبت فى كثير من الأحيان إلى طقوس عبادة أو ممارسة هيستيرية، كما يحدث فى حفلات الزار.. وكم من وجوه وسحن رأيتها تتفجر حماسا للفاتح وللقائد وللثورة وللجماهيرية وللكتاب الأخضر وللنظرية العالمية الثالثة وللجان الثورية، وتشتعل جمرا حارقا يكوى أى صاحب ملاحظة ولو بسيطة ليتم اتهامه بالتخلف والرجعية كحد أدنى أو يصل إلى المقصلة البدائية كحد أقصي.. وهى المقصلة التى تكونت من صندوق مياه غازية فارغ يقف عليه الكلب الضال ويوضع الحبل المتدلى من عارضة بملعب أو شارع حول عنقه ثم يتم ضرب الصندوق من تحت قدميه ليتدلى وهو يصرخ!!.

كنت قد اتخذت قرارا ومعى صديقى المرحوم الأستاذ كامل زهيرى ألا ندخل ليبيا ثانية، وكان ذلك عام 1987 إثر دعوتنا لندوة عالمية عن مستقبل العمل الثورى الجماهيري.. وتقريبا كان كامل وأنا وحدنا اللذين أخذا وضع المراقب المدقق وصرنا نتأمل ما يجرى من وقائع يقوم بها عشرات من المثقفين والسياسيين العرب، وبالمصادفة البحتة كانت الغالبية من الأحزاب والحركات التى تستند للماركسية اللينينية وعندها مال كامل زهيرى على أذنى هامسا وضاحكا:

«ولد ــ وله ــ مش ملاحظ إننا انتقلنا على يد الشيوعيين العرب من الماركسية اللينينية إلى الماركسية الليبية»! وانفجرت ضاحكا.. وكان الجزاء الوفاق الذى أنزل على كامل وعلى العبد لله جراء الإحساس بموقفنا غير «المبلوع» هو إهمالنا لدرجة أنهم قرروا ذهاب كل المشاركين لمقابلة القائد «معمر» فى سرت، عدا كامل وأنا وبقينا فى الفندق نطرق كل الأبواب لنتمكن من العودة للقاهرة، ولا فائدة حتى تم حل الموقف بطريقة مضحكة.. سأحكيها فى وقتها!

كنت أرقى إلى مستوى الصديق المقرب لقيادات من الصف الثانى فى قيادة الثورة.. وكنت من المرحب بهم لدرجة الصداقة الودودة مع الراحل النبيل الذى قتله وفاؤه أبو بكر يونس.. وكنت مناقشا عنيدا ومفلوت اللسان مع عبدالسلام جلود، وتعرفت على الخويلدى الحميدى ومصطفى الخروبي، وجلست مع معمر القذافى مرتين إحداهما استغرقت وقتا طويلا فى منزل أبو بكر يونس وكان معى العبقرى الفنان المرحوم عبد الرحمن الخميسى ونقيب الصحفيين المرموق حسين فهمى والمحامون عبد العظيم المغربى ومحمد المسمارى ومحمد علوان.. رحم الله من غادرنا منهم.. وكانت جلسة لابد أن تكتب وتنشر!

عرفت واقتربت جدا من صالح الدروقى وسالم بوشريدة وعرفت عمر الحامدى وعبد الله حجازي.. وكنت وسأبقى من أقرب الأصدقاء لعبد القادر غوقة.. وكل واحد من هؤلاء له قصة وله الدراما الخاصة به!

فى ليبيا الجماهيرية تعرفت على الأخ الأستاذ مجدى سلطان حسين ابن عم الزعيم جمال عبد الناصر، وعلى مصطفى شقيق الرئيس وعلى آخرين من أهلنا المصريين الذين وجدوا سندا وعملا وأملا هناك!.. وفى خضم هذا كله حضرت اجتماعات مشتركة بين تنظيم الطليعة العربية الذى كنت من قياداته وبين تنظيم اللجان الثورية الذى يقود الثورة هناك، وفى الاجتماعات اتهمنا بأننا متخلفون لأن القومى العربى الحقيقى فى نظر عبد السلام جلود واللجان الثورية هو من يلتحق بالثورة الليبية ويؤمن بأسلوب ومنهج «اللجان فى كل مكان» وأن من «تحزب خان»، وأن عبد الناصر مجرد زعيم تاريخى مضى عهده مثله مثل عمر المختار وصلاح الدين وحتى عمر بن الخطاب.. وعلى القومى الذى يريد تحقيق الانتصار العالمى أن يؤمن بأطروحات الكتاب الأخضر والنظرية العالمية الثالثة.. وكان من حظى أن أتولى الرد على الأخ جلود فى جلسة ساخنة كان من حضورها مصريون ولبنانيون وسوريون ربما لا يريد بعضهم أن أذكر اسمه!

نعم عشت مع الأحداث من 1972 وكنت وسأبقى شاهدا حيا إلى أن أموت فأصبح صاحب مذكرات.. تخضع شهادتى وذكرياتى لعلم النقد التاريخى ولا يمكن أن تكون مسلمات لا تناقش، ثم أختم هذه العجالة الهائلة بالقول مرة أخرى إننى حتى اللحظة الحالية أقطر حزنا على صديقى أبو بكر يونس الفارس النبيل الذى قتله وفاؤه لرفيق نضاله وقائد ثورته.

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 3 سبتمبر 2015
لينك المقال:

Thursday, 27 February 2014

شهداء مصر فى ليبيا




من المؤكد أن المجرمين الليبيين الذين أعدموا بالرصاص سبعة من المواطنين المصريين المسيحيين، لا يعرفون أن المسيحية دخلت مصر من ليبيا، حيث كان يعيش القديس مرقس الرسول فى برقة، وكان من قبل فى صحبة القديس بطرس فى روما!

ومن المؤكد أن هؤلاء المجرمين، الذين أقدموا على هذه الجريمة العنصرية، التى تفوق جرائم النازية والفاشية، لا يعرفون أن الثراء اللاهوتى المسيحى فى مصر والمنطقة، أسهم فيه أساقفة من أصول ليبية، كالأسقف آريوس السكندرى الذى ولد هناك! ومن المؤكد ثالثًا أن القتلة لا يعرفون أن بابا الكنيسة المصرية له لقب كنسى تاريخى رسمى تدخل فيه باعتزاز المدن الخمس وسائر إفريقيا، ومعظم تلك المدن يقع فى ليبيا.

ومن المؤكد رابعًا أن المجرمين العنصريين القتلة لا يلتفتون لحظة واحدة إلى أن الإسلام دخل إلى ليبيا من مصر، وأن أجداد هؤلاء الشهداء هم من استقبل الفاتحين العرب، وتعامل معهم، ولم يشترك مع الرومان فى حربهم!

أقول من المؤكد، لأن طوفان الجهل الذى أنتج مستنقعات من فقر الفكر، وجفاف الوجدان، وضمور العاطفة، وانعدام الضمير، قد عشناه هنا فى مصر عندما طفح على جلدها سرطان الإخوان الإرهابيين، ومن اتفق معهم فى المرجعية ذاتها، ومصر هى مصر، حضارة وثقافة وفكرًا ومعرفة وحضورًا فى سجلات الخلود الوجدانى الإنساني، فما البال إذا كان ذلك الطوفان بمستنقعاته قد حدث ومازال يفرز سخامه فى بيئة ليست كمصر، بغير أدنى تعالٍ أو ضيق أفق وتعصب لوطن نحبه.. ونعلم أن كل أبناء أمتنا العربية الأسوياء يحبونه!

إن هذه الجريمة العنصرية البشعة التى راح ضحيتها مسيحيون من أبناء مصر ومن مواطنيها، لا يمكن أن تمر مرور الكرام، رغم علمى بأن وضع مصر السياسى والأمنى والاقتصادى لا يمكنها من اتخاذ وتنفيذ قرارات تعاقب أولئك المجرمين وتوجعهم بغير رحمة، ورغم علمى بأن الحكومة الليبية فى وضع لا تُحسد عليه هى الأخرى، ولكن هذا كله يجب ألا يمنعنا من التحرك والعمل على مختلف المستويات، لنأخذ حق هؤلاء الشهداء، أولاً بتعويض أسرهم تعويضًا مناسبا، ثم نعمل على عودة واستيعاب أبنائنا من هناك، ثم نتجه إلى ما هو أهم وأخطر فى نظري.

إن الأهم والأخطر هو أننا وقد عرفنا أبعاد الظاهرة ووثقنا ـ من التوثيق ـ بعشرات وسائل التسجيل ما يفعله ذلك التيار المجرم العنصري، فإن تحركنا على مستوى الهيئات الإقليمية والدولية لحصاره، وتعميم صفته الإرهابية هو تحرك واجب، ثم إن مقاومة هذا التيار بجميع أشكاله ورموزه أضحت هى الأخرى واجبًا وطنيًا فوق أنها واجب حضارى وثقافى وضميري، ومن هنا يجب عدم الالتفات إلى كل الدعاوى التى تخرج بين فترة وفترة، يدعى أصحابها أنهم يسعون للإصلاح وللمصالحة، ولإعادة اللحمة الوطنية كما كانت عليه، وهى كلها دعاوى مشبوهة وأصحابها ليسوا فوق مستوى الشبهات.

إن ترك الأمور على ما هى عليه دون مقاومة، ودون استنهاض لكل همة أن تسهم فى هذه المقاومة، سوف يزيد من اتساع رقعة هذا الجرم العنصرى الذى يفوق النازية ـ كما أسلفت ـ ولنا أن نتخيل لحظة ينتقل فيها القتل من قتل على الهوية الدينية إلى قتل على الهوية المذهبية، إلى قتل على الهوية ما دون المذهبية، ثم إلى قتل على الهوية الوطنية، أى لمن يحمل جنسية مغايرة وهلم جرا.

ثم إن جهدًا آخر يجب أن نوجهه إلى الغرب الأمريكى والأوروبي، أى تحالف الناتو، الذى تدخل لضرب وتفكيك النظام الذى كان قائمًا، وكان الليبيون متماسكين خوفا منه ورعبًا أو طواعية وحبًا، فلسنا بصدد تقييم نظام القذافي، وسبق وأن كتبت عن موقفى ألا وهو إدانة الاستبداد والفساد والجهل والغرور، وكلها كانت سمات ذلك النظام.. غير أن الناتو وهو يسارع وبقوة السلاح من وتائر تغيير النظام لم يقدم ملمحا واحدًا للبديل الذى يجب أن يحل محل النظام المنتهي، وواضح أن الفوضى والدمار وتفتيت المجتمع الليبى كانت هى البديل المستقر فى أجندة التحالف الأطلسي.. وعندئذ ومن نقطة حدوث تلك الجريمة البشعة ضد مواطنين مصريين يعيشون فى سلام، ولا يمارسون أى إرهاب، ولمجرد أنهم غير مسلمين، فإن خطابًا سياسيًا وثقافيًا أكثر عمقًا يجب أن نوجهه إلى الغرب لنقول بملء قوتنا: هذه هى نتائج ما أردتموه للمنطقة.

لقد آن الأوان أن تضع الحكومة المصرية الجديدة، ومعها ومن قبلها ومن بعدها مؤسسة رئاسة الجمهورية، التى يُرجح أن يكون المشير السيسى رجلها الأول، خططا لحماية المصريين فى الخارج .. أرواحهم.. وصون كرامتهم.. وضمان حقوقهم.. وحقًا كما قال الشاعر: إذا أقبلت باض الحمام على الوتد / وإذا أدبرت بال الحمار على الأسد.
                                  
نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 27 فبراير 2014