Tuesday, 20 October 2015

«التنفيضة».. المقدسة


توقفت عن كتابة المقالات لأكثر من شهر، حيث استجبت لدعوة لأداء فريضة الحج، ودهمنى إحساس تحول إلى هاجس ومنه إلى شبه يقين أننى لن أعود أو سأصادف صعوبات لا أقوى على تحملها، وكتبت ذلك يوم 17 سبتمبر فى مقال عنونته «مقال لم يكتمل للمصرى اليوم»، وتركته على مكتبى ولم يرسله زملائى الذين يساعدوننى فى العمل وحسنا فعلوا!، وسافرت يوم 19 سبتمبر 2015 ومنذ عدة أيام كتبت عن «التنفيضة» التى أصبحت فيها كسجادة قديمة غطاها الغبار والتراب وانتشرت فيها البقع والعثة، فوضعت حيث يتمكن أصحابها من تنفيضها بالمضرب الخيزرانى إياه و«هاتك» يا «رزع» فى كل سنتيمتر فى السجادة ومن وجه لآخر فيها.. مرة ومرتين وثلاثا وأربعا بغير توقف، وكأن مفتشا حريص على جودة وإتقان العملية يراقب «التنفيض» وضمنت ما كتبت كل دقيقة من أدق مشاعرى وأنينى وصراخى وبوحى ودعائى وعتابى واستنجادى، فلما اكتملت السطور أزحتها جانبا، وقلت كفى ما كتبته ونشرته على الفيس بوك وبدا للبعض وكأنه فتوحات مكية جديدة!

كان جزء من مقدمة ما كتبته يتصل بزملاء وزميلات رحلة الحج، ومنهم من كنت لا أتصور لحظة واحدة أن ألتقيه مباشرة وأصافح وجهه صباحات ومساءات وطوال اليوم، وتنهمر دموعنا مكشوفة أمام بعضنا البعض وأمام آخرين.. وأكاد أكون قد كتبت «بورتريها» خاصا عن بعضهم، وهى فى ظنى مادة صحفية خصبة يرتاح لقراءتها الكثيرون.. ومع ذلك عزفت عن أن أنشر ما كتبت لسبب قد يبدو غريبا عند البعض.

إننى كثيرا ما أردد أبياتا من قصيدة البردة للإمام البوصيرى التى أنشأها لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها أبيات يقول فيها محذرا من خضوع الإنسان لهوى نفسه:

والنَّفسُ كَالطّفلِ إِنْ تُهمِلْه ُشَبَّ عَلَى حُبِّ الرّضَاع وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنفَطِــمِ
فاصْرِف هواهــا وحاذِر أَن تُوَلِّيَهُ إنَّ الهوى مـا تَـوَلَّى يُصْمِ أو يَصِمِ
وراعِهَـا وهْىَ فى الأعمال سـائِمَةٌ وإنْ هِىَ استَحْلَتِ المَرعى فلا تُسِـمِ
كَـم حسَّــنَتْ لَـذَّةً للمرءِ قاتِلَةً مِن حيثُ لم يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ فى الدَّسَـمِ
واخْشَ الدَّسَائِسَ مِن جوعٍ ومِن شِبَعٍ فَرُبَّ مخمَصَةٍ شَـــرٌّ مِنَ التُّـخَمِ
واستَفرِغِ الدمعَ مِن عينٍ قَـدِ امْتَلأتْ مِن المَحَـارِمِ والْزَمْ حِميَـةَ َالنَّـدَمِ
وخالِفِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِـمَا وإنْ همـا مَحَّضَـاكَ النُّصحَ فاتَّهِـمِ
فلا تُطِعْ منهما خصمَا ولا حكَمَــا فأنت تعرفُ كيـدَ الخَصمِ والحَكَـمِ

وكثيرا أيضا ما أتذكر قصة قريبتى العزيزة على قلوبنا التى أنهكها الحمل والولادة حتى حملت وولدت رضيعا ذكرا أصرت على أن يكون آخر العنقود فظلت ترضعه – إذ كان الاستمرار فى الإرضاع مؤخرا للحمل عند بعض النساء – حتى تجاوز العامين وظهرت قواطع أسنانه، ثم انتقل من الحبو إلى الوقوف ثم المشى واكتمال الأسنان وتعلم الكلام حتى صار «بربندا» وصار صبيا يافعا يهجم على أمه وينشب أظافره فى لحمها وأصابعه فى شعرها صائحا بكل جسارة «هات البز يا بنت الكلب»! وكانت قريبتى تعانى الأمرين من مشهد ذلك الشحط الجاثى على ركبتيه وفمه قابض على صدرها، وتعانى كل المرارات من لوم الناس وزفارة لسان الصبى، وهى لا تريد أن تفصح بأنها لو أوقفت الرضاعة حملت من فورها.. لأننا كنا فى زمن غابر لم تظهر فيه الوسائل إياها!

وتسألنى حضرتك ما شأن أبيات البوصيرى وقصة قريبتك بما كتبته عن رحلة أو «تنفيضة» الحج، وأجيبك من فورى لأننى كثيرا ما عشت مع نفسى مراحل تعاركت فيها معها لأفطمها من إدمانات بعينها..

ضبطت نفسى متلبسة لفترة طويلة بإدمان شهوة التواصل مع شخصيات مهمة ثقافيا وفكريا أو بالمناصب الرفيعة.. وجاءت لحظات كنت لا أقاوم فيها القلق الشديد من أننى اتصلت بأحدهم ولم يرد أو رد باقتضاب أو لم يتصل هو منذ فترة أو لم يدعنى كالعادة لجلستنا الخاصة، أو ضمن مدعوين آخرين، ثم ضبطتها وهى تحاول الإيحاء للحضور أثناء المكالمة الهاتفية – وكانت التليفونات أيامها كلها أرضية – بأن يخرجوا أو يصمتوا لأن المتصل مهم!!، وبعدها أتلمس أية فرصة لإقحام اسم المتصل المهم وجزء من فحوى الحديث أثناء كلامى مع الآخرين فى أى موضوع!.. وعندما استفحل الأمر قلت «يا خبر أسود طيب وبعدين؟!»، وسعيت لأفطمها بقسوة وقد حدث... لدرجة أن بعض هؤلاء المهمين أصابه الاستياء أو التعجب من فجوة طرأت واستطالت بغير سبب! ومنذ فطمتها عن ذلك لم يعد يأسرنى ولا يغوينى اتصال أو انقطاع بالمهمين!

وضبطت نفسى متلبسة بإدمان الصوت والضوء.. ليس ذلك العرض المشهور عند الهرم وأبى الهول.. ولكن الصوت والضوء فى الندوات والمؤتمرات الجماهيرية الواسعة داخل مصر وخارجها، بعد أن شاءت ظروفى أن أحوز بعض المهارات فى الحوارات الفكرية والسياسية، وبعض الميزات فى الخطابة العامة حيث لمعان الفلاشات وهدير الميكروفونات.. ثم حزم الضوء فى استديوهات التليفزيون والفضائيات!

ضبطتها وقد احترفت الاستمتاع لدرجة الانتشاء بالحديث فى ندوة، أو بالخطابة فى مؤتمر، والانتقال من نبرة صوت إلى أخرى صعودا وهبوطا، ومعرفة المفاصل التى يتعين الوقوف عندها لتهب عواصف التصفيق والهتاف، أو تتوالى الاتصالات الهاتفية بعد البرنامج!

وعندما قررت فطامها عن إدمان الصوت والضوء هاجت وماجت وكأنها ابن قريبتى يصرخ «هات البز».

وهذا ما حدث عند رحلة التنفيضة إياها إذ وجدتها وكأنها فيروس يتحور لمقاومة المضاد الحيوى، تحفزنى لنشر تجربتى شديدة الخصوصية فى أقدس وأطهر أماكن الجغرافيا الإسلامية، ومع صاحب الرسالة، ومع من أرسل الرسل جل وعلا وله المثل الأعلى!

كيف أنشر تفاصيل ما أجملته على الفيس بوك عندما كتبت «أحرمت.. فتعريت، وتعريت.. فأفصحت، وأفصحت فانفضحت» إلى آخر ما كتبته وكان منه أيضا: «حبسنى فى الآه.. فصحت يا الله» لأننى سمعتهم يقولون إن الاسم هو: آه.. وأن الألف واللام للتعريف.

وفى غيابى المكانى عن المحروسة، وغيابى الكتابى عن الصحف، جرت فى الترعة المياه التى بعضها نقى عذب وبعضها ملوث حامض وربما قلوى.. ولن تجوز الكتابة بأثر رجعى وقد تحين فرصة للإشارة من هنا أو من هناك لما أظن أننى لابد ألا أفلته! كانت تنفيضة شديدة بكل المعايير، وأتمنى أن يأتى الإذن بنشر خصوصياتها.


نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 20 أكتوبر 2015