Thursday, 22 October 2015

أسئلة استنكارية لمن بيده الأمر





إذا صح ـــــ وأظنه صحيحا ــــ أن كل ظاهرة تحمل عوامل فنائها داخلها، فإن الفرق بين الظواهر رغم أن كلها فانٍ هو المدى الذى تبقى صامدة فيه ومقاومة لتلك العوامل، بل إن من الظواهر ما هو قادر على تحويل عوامل فنائه إلى عوامل قوة، إلى أن يستعصى الأمر ويتحتم الفناء، باستحالة البقاء.

ليس فى الأمر تفلسف يعيد إنتاج ما توصل إليه العقل الإنسانى من قبل، ولكنه تذكير بما هو حتمي، ودعوة للتساؤل حول لماذا يبدو أن الظاهرة السياسية المستجدة بعد يناير ويونيو قد شاخت قبل أوانها، وبدت عوامل فنائها قوية متسارعة، وهل يمكن السعى للإفلات من المصير المحتوم ــــ ولو بتأجيله ـــــ حتى يأتى وقد حصد الناس لأجيال متلاحقة ثمار ما دفعوا ثمنه عرقا ودما ومالا ومقدرات؟!

التساؤلات محتدمة فى صدور وعقول كثيرين أنا واحد منهم.. أى من أولئك الذين راهنوا على 30 يونيو، وعلى قيادة ونظام الرئيس السيسى، ويحق لنا أن نتساءل، وأن نسأل سؤال الاستفهام الاستنكاري: لماذا لم تستنهض همة الأمة بخطة منهجية طويلة المدى وليس بالقطعة؟ ولماذا لم تستدع القوى الحية فى الأمة لتؤدى دورها متفانية مخلصة لا ترجو جزاءً ولا شكوراً لأنها تبغى وجه الله والوطن وفقط؟ ولماذا يبدو أن هناك تعمداً لإبراز الوجوه الكالحة محترفة الكذب والزور والطبل والزمر، تلك التى أودت بنظام السادات ومبارك و»لبستهما» فى الحائط؟ ولماذا حفلة الزار الهستيرية التى شاركت وتشارك فيها صحف قومية وقنوات رسمية مع أخرى تابعة للصوص الذين لهم اسم دلع هو رجال أعمال لإحياء سياسات وقيم ونماذج نظام السادات ــــ مبارك، واستدعاء المرأة التى اخترعت كارثة «السيدة الأولى» وأرست تقاليد سحب الوزراء من ورائها ورسّخت تدخل حرم الرئيس فى القرارات السياسية والتوجهات التنفيذية، ولدرجة أن تلك المرأة التى تجاوزت الثمانين ولا تزال «تتنطط» من حفلة لحفلة ومن قناة لقناة، هى التى شاركت فى وضع الأحكام التى صدرت فى قضية 15 مايو 1971! وهى التى كرّست أنه لا امرأة فى مصر إلا تلك «الأولى»، ولدرجة أنها خبطت سيدة سيدات مصر والعرب أم كلثوم كتفاً غير مشروع، ساهم فى انزواء الست وموتها كمداً، بعد أن حل «الوفاء والأمل» محل مشروع أم كلثوم للخير، ومن هذا كثير مخزٍ يبدو أن البعض يتناساه كما يتناسون ضرب مؤسسات الدولة المصرية المدنية الحديثة بالعودة إلى تكريس تقاليد القرية وعلاقات العائلة ومكانة كبير العيلة، وبالسعى للادعاء بالتدين «دولة العلم والإيمان» و»أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة» إلى آخر المنظومة إياها التى لا يحتمل المجال الاستطراد فى الحديث فيها! ناهيك عن الفصول المأساوية للعلاقات مع العدو الصهيوني، ومنها الفصل الذى أدمى عيون المشير الجمسي!

نعم وبالفم الملآن هناك إحباط وأسئلة حائرة لا تجد إجابة حول استنهاض همة الأمة، واستدعاء جهد الأكفاء من المخلصين غير الطامعين ولو فى سماع «سلام عليكم»، ولا يتكالبون على لقاء ولا على وظيفة ولا على مكسب من أى نوع! وهذا كله يمثل بعضاً من أسباب ضعف التصويت فى الانتخابات البرلمانية، ويمثل بيئة صالحة مهيأة لتفريخ السوس الذى سينخر ـــــ وربما بدأ ـــــ فى الظاهرة التى نحن بصددها.

وربما تجد تساؤلاتنا وأسئلتنا الاستنكارية تساؤلات وأسئلة مضادة تبدأ بمن ذا الذى منع أو يمنع المخلصين الأكفاء المتجردين من أداء دورهم، ومن هذا الذى يمكن له وحده ــــ مهما كانت قدراته وعلت مكانته ــــ أن ينفرد باستنهاض همة الأمة، وهل المطلوب هو ترسيخ ميراث العداوة والبغضاء والانقطاع بين مراحل تاريخ مصر، وهل يمكن لأى من كان أن يمحو بأستيكة دور السادات ومبارك، وكلاهما حظى بتزكية الرئيس عبد الناصر ورعايته الأول ــــ أى السادات ــــ عضوا فى تنظيم الضباط الأحرار ومسئولاً ثم نائباً للرئيس، والثانى ترقيتين استثنائيتين فى سلاح الطيران، وتكليف مباشر برئاسة أركان السلاح؟! وأليست جيهان مواطنة مصرية لها جميع حقوق المواطنة ومن حقها أن تنشط كما تشاء؟!

وأقول إن أى جهد جماعى مصرى يراد له الفاعلية والاستمرار والانتشار يلزمه دوما خيط أو شعرة تصله بالدولة المصرية، أو بمعنى أدق برأس المؤسسات فى الدولة، لأننا علمنا ونعلم أن جمعيات العمل الأهلى التى اصطلح مؤخراً على تسميتها «المنظمات غير الحكومية» لا تؤتى إلا ثماراً محدودة، سواء فى انتشارها أو فى آثارها، بل هى دوماً محل اتهام أو محل انقسام أو محل حصار! ولكم تخيل المرء أن تصدر عن مؤسسة الرئاسة نداءات محددة جدا، ابتداءً من الفئة أو الجهة أو الجماعة الموجة إليها كل نداء، وانتهاءً بأبعاد المهمة الوطنية المطلوب إنجازها.. وعلى سبيل المثال لنا أن نتخيل نداءً من المؤسسة التى يمثل قمتها رجل يحظى بحب وشعبية جارفين، إلى شباب الأطباء لتشكيل فرق مماثلة «للأطباء الحفاة» أو «أطباء عابرين للحدود» ليشكلوا فرقاً طبية وقائية وعلاجية تنزل متطوعة إلى قلب الوطن وأطرافه وتبدأ عملها بإمكانات بسيطة ولكنها فاعلة، ويؤدون مهمتهم فى الوقاية والعلاج والمتابعة بلا مقابل! وكذلك.. نداء لكل من يقدر على أداء مهنة التدريس ومحو الأمية لتحقيق هدف مصر خالية من الأمية الهجائية بحلول شهر كذا من سنة كذا، وكذلك الأمر للزراعيين والبيطريين وغيرهم لإعداد قوافل الانتشار فى الريف والبوادى وتقديم الإرشادات والخدمات والتجهيزات اللازمة لتطوير البنية الزراعية والحيوانية وخلافه!

وتتحول المحروسة لخلية نحل.. ويكون «تمام» الجميع عند الرجل الكبير الذى كثيرا ما يؤكد أنه لا رئيس ولا زعيم ولا يحزنون وإنما واحد من الناس وضع نفسه فى خدمة الوطن ولا يرجو جزاء من أحد وليس لأحد عنده فاتورة مستحقة الدفع!... هذا عن استنهاض همة الأمة وتوظيف الكفاءات المخلصة فى آن واحد!

أما حكاية التاريخ وحقوق المواطنة، فهناك فرق بين اتصال حلقات تاريخ مصر والحيلولة دون تمزيقها أو تفكيكها، وبين حتمية الاستفادة من دروس التاريخ والحيلولة دون تكرار الأخطاء بنفس درجة الحيلولة دون طمس الأخطاء والتدليس لحساب المخطئين، وكم هى مأساة مضحكة رغم سوادها أن يشاهد الناس الذين لم تضعف ذاكرتهم بعض رموز عصر الخراب الانفتاحى وضياع هيبة الدولة والعبث بدور مؤسساتها الدستورية، والذين تحوم من حولهم شبهات التربح واستغلال النفوذ فى جنى المكاسب، وهم يعودون لصدارة المشهد، حتى إن كانت عودتهم راجعة إلى لزوجتهم وفرضهم أنفسهم، فلا يجد من بيده الأمر مخرجاً إلا القبول بظهورهم، ولو من باب الإنسانية والذوق الاجتماعي.

إن الأسئلة الاستنكارية ستبقى مطروحة، ولن يتوقف المخلصون الأكفاء عن رفع أصواتهم، وفق كل قواعد الاحترام.


نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 22 أكتوبر 2015
لينك المقال: