Wednesday, 24 January 2018

تعقيب من المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي (2-2)




أستكمل نشر ما تبقى من رسالة الأستاذ الدكتور حيدر إبراهيم علي، المفكر السوداني المرموق، وقد نشرت الجزء الأول في مقال الأسبوع الفائت، حيث تأتي الرسالة ضمن سياق دعا فيه كاتب هذه السطور إلى حوار سوداني - مصري، يبادر إليه ما اصطلح على تسميته بالنخبة التي تتسع لتشمل المفكرين والخبراء المهتمين بحاضر ومستقبل العلاقات بين البلدين، ومعهم من لديهم اهتمام ومصالح كرجال الأعمال وبعض القائمين على إدارة العلاقات في مؤسسات الدولتين، لأنه ثبت دومًا أن ترك الأمور في يد الأجهزة وحدها لا يكفي، بل لا بد من المساهمة معها، ولن أقول ترشيدها عبر جهود شعبية، حتى لا نفاجأ بأن الشعبية تنقلب إلى شعبوية تهيجية رخيصة تمارس إعلامًا بدون حرص.

لقد تناول الدكتور حيدر في الجزء الذي نُشر من رسالته بعض القضايا المتصلة بعلاقات البلدين، وأشار إلى أنه "من جيل مصر التي في خاطره"، وساق العديد من المعلومات والشواهد على عمق ما بين الشعبين من إيجابيات، وأدعوك عزيزي القارئ إلى استكمال بقية رسالة المفكر السوداني:

(نحن من الجيل الذي استقبل جمال عبد الناصر، وهو مهزوم في حرب 1967 استقبال الفاتحين المنتصرين، وغنينا له في شوارع الخرطوم مع الفنان الكابلي والشاعر أبو آمنة حامد:
أنت يا ناصر في أرضي هنا لست بالضيف ولا المغترب
وهذا الجيل نفسه الذي أنشد مع تاج السر الحسن:
مصر يا أم جمال أم صابر
ملء روحي أنت يا أخت بلادي يا شقيقة يا رياضا عذبة النبع وريقة يا حقيقة.

هذا هو تاريخ ناصع عرفته علاقات البلدين في زمن الصعود العام والتوق للنهضة والثورة، ولكن مع الانحطاط العام الكاسح، وعصر الأزمة والسقوط، ليس غريبًا أن نسمع هذا النعيق اليومي يسمم العلاقة ويسيء للشعبين، من خلال اختلاق المشكلات أو تضخيمها وتصعيدها.

هناك احتكاكات يومية تحتاج للوعي والثقافة، وهذا أمر يطول، منها: تغيير الصور النمطية المتبادلة وإبراز الإيجابيات في الثقافتين. كثيرًا ما يسألني بعض الإخوة المصريين قائلين: "نحن قدمنا للعرب والفلسطينيين خاصة الكثير، ومع ذلك يكرهوننا!"، وكان ردي دائمًا سريعًا: "أنتم المصريون مشكلتكم الامتنان على الآخرين: مثل نحن علمناكم، ونحن فعلنا لكم، وبالتالي تمحقون فضائلكم بالامتنان. وجانب آخر التعالي والتفاخر، فالمصريون يقدمون أنفسهم وكأن كل المصريين هم طه حسين وأم كلثوم. كذلك ضرورة التقليل من ترديد: مصر أم الدنيا ويكفيها: مصر يمه يا بهية أم طرحة وجلابية. ومع أنني على يقين أن الإنسان السوداني العادي والمتوسط أفضل من المصري في معلوماته العامة وتسييسه. وكثيرًا ما يسألني بعض الناس العاديين: عندكو نيل زي دا؟ ومع ذلك يهاجمون السودان بسبب سد النهضة!".

أرحب بمبادرتك الإيجابية، وأتمنى أن نستعيد شعار: "عاش الكفاح المشترك، وليكن الكفاح المشترك هذه المرة معًا ضد الفقر والتخلف والظلامية، ومن أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المنتجة والعادلة وقبول الآخر وتمكين المرأة. هذا هو الميدان الحقيقي والمستقبلي، عوضًا عن المشاكسة حول عدد وقدم الآثار، وعلينا أن نبني آثارًا مستقبلية من القيم والمبادئ الإنسانية الحديثة، وأن يكون مستقبلنا المشترك أمامنا وليس خلفنا.. حتى مشكلة المياه يمكن أن تحل لو حكمّنا العلم والعقل، فلماذا نتشاجر حول الموجود ولا نفكر في وسائل زيادة المياه، من خلال محاربة أعشاب النيل التي تمتص ملايين الأمتار المكعبة، وتقليل التبخر، فمشكلة المياه في الرأس وليست في منسوب النيل).

ولك كثير مودتي وتقديري
حيدر إبراهيم علي
مدير مركز الدراسات السودانية

انتهت الرسالة، وقد تلقيت على الجزء الأول تعليقات كثيرة، منها ما صحح معلومة كتبها د. حيدر عن أغنية "هذه ليلتي"، وقال إن كاتبها شاعر سوداني فيما الصحيح هو أن الشاعر السوداني الهادي آدم كتب أغنية "أغدًا ألقاك"، ورغم أن صاحب الرسالة ساق بعض الأمثلة التي تشير إلى نقص وعي وثقافة عامة المصريين قياسًا على عامة السودانيين، وأشار إلى مشكلة التمنن التي يمارسها المصريون، إذ يمنون على شعوب عربية أخرى ما قدمته مصر لهم، إلا أن أرضية الحرص الشديد من جانبه على تصحيح واستقامة العلاقات تضع تلك الملاحظات السلبية في مكانها الصحيح، أي السعي للاكتمال بأكثر مما تضعها في سياق آخر، أكاد أكون متأكدًا من أن البعض لن يفلتوه، وسيسعون لتأجيج نيران التباغض والتنابذ.

إنني أختلف مع ما ساقه الدكتور حيدر من سلبيات مصرية، وكلانا يعلم أن من يعمد إلى النبش في سلبيات ومساوئ مجتمع من المجتمعات البشرية، فسوف يجد ما يفي بالغرض ويزيد، ولست الآن ولا فيما بعد بصدد النبش في تلافيف المجتمع السوداني، رغم وفرة حصيلتي في هذا الشأن إنني ما زلت أنادي بجهد علمي وفكري منظم لبحث الأمر، وربما نجد سبيلًا للتنفيذ.
                   

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 24 يناير 2018.