Thursday, 11 January 2018

أسئلة للعقل الثقافي المصري




كيف نسعى ليكون عام 2018 وعاء لفعل ثقافي مصري يؤسس لصحوة إحيائية تنهي بلا رجعة غفوة التخلف الثقافي وغطيط الاستسلام للانحطاط الفكري، الذي تلحف بأغطية التدين تارة والتراث أخرى والجمود الأيديولوجي ثالثة؟!

كيف نجمع شتات جهودنا المتناثرة المتقطفة في مجال بناء الإنسان ثقافيًا وفكريًا ليبقى عقله يقظًا فاهمًا ناقدًا بناءً، وليصير وجدانه متصالحًا مع الحقائق الصحيحة في المكان والزمان، وليكون هو كله إنسانًا محصنًا ضد كل ما هو غير إنساني متحضر، ومبادرًا بالتصدي لما ولمن يساهم في تخريب المهمة الإنسانية الأولى التي تلقاها الإنسان من خالقه عند التكليف الأول، وهي مهمة إعمار الأرض! وإشاعة المحبة والسلام؟!

كيف ننتقل من خانة المشاريع النظرية المكتوبة بإحكام على الورق، ومن مربع المحافل الكلامية التي تقتصر على بعض المثقفين الذين لا يطيقون الاستمرار فتتقلص أعدادهم وتهبط همة من تبقى، لتصبح المشاريع والمحافل أطلالًا لا حياة فيها، ومادة أرشيفية نادرًا ما يستدعيها أو ينظر فيها أحد إلى ساحات الفعل المباشر في المكان الذي هو مصر كلها، والزمان الذي هو أسرع من كل هرولة، لنفعل ولو بأحجام صغيرة، ولكنها متراكمة محكمة التخطيط غير منفصلة عما قبلها وبعدها لتعلو مداميك حوائط الصد الثقافية والفكرية ومن ثم الحضارية؟!

ولماذا نحن في مجال الفكر والثقافة بارعون في التشخيص وكتابة الوصفات فقط، ولم نبرع في اكتشاف واختراع وصنع الدواء والتحكم في جرعاته وملاحظة آثاره الإيجابية والجانبية، وإقناع الذين يحتاجونه بتعاطيه؟!

ثم لماذا لم يعمد أهل الاختصاص في العلوم والآداب والفنون، وخاصة من يتصل تخصصهم بالتاريخ والاجتماع والأدب والنقد وعلم النفس الاجتماعي إلى رصد وتحليل مسار أفكار ومشاريع الإصلاح الفكري والثقافي، التي طرحت في مصر منذ القرن الثامن عشر الميلادي على الأقل، واستخلاص محصلاتها الإيجابية والسلبية واكتشاف ما أدى إلى إخفاقها كليًا أو نجاحها جزئيًا، وهل كان عوارها من صميم بنيتها أم من توقيت طرحها فجاءت سابقة لأوانها أو متخلفة عنه، وما القوى التي حملتها، وتلك التي ناوأتها وسعت لإجهاضها؟!

ولماذا لم تنشأ مدارس علمية رصينة في كل فرع من فروع التخصصات الأكاديمية، ليتم تقنين مراحل التقدم في تلك التخصصات، وليتم الحفاظ على معايير البحث ومناهجه وعدم السماح بالتسيب والترهل والجهالة، وهي أمور سادت حياتنا التعليمية والعلمية حتى أصبحت الجدية والالتزام مثارًا للتندر والسخرية، ولو أن تلك المدارس العلمية التي كان بعضها قد نشأ جنينيًا ونما إلى حد ما حتى مطلع السبعينيات استمرت، لأصبح لدينا شبكة متطورة تضم نقاطًا للاتصال والتواصل العلمي البحثي بين الفروع المختلفة، وبالتالي يصبح "العزف" جماعيًا وفق نوتة الإصلاح والنهوض الشامل؟!

ولماذا مات الجهد الأهلي إذا جاز التعبير في عملية الإحياء، وإذا وجد فإنه في بعضه شكلي يُبذل للوجاهة الاجتماعية أو لغسيل سمعة أصحاب أموال جنوها من حرام في حرام، وفي بعضه الآخر محدود للغاية، ناهيك عن أنه كله بغض النظر عن شكله ومضمونه يفتقد إلى تنسيق شامل ضمن خطة وطنية كلية تحدد الاحتياجات وكيفية الوفاء بها دون عشوائية أو هدر، ثم كيف نعيد للجهد الأهلي الفردي والمؤسسي لشركات أو جمعيات أو منظمات دوره الفاعل، ويكون له حضور معترف به ومقدر تقديرًا مناسبًا حتى وإن جاء صغيرًا؟!

ولأن مصر ليست مساحة معزولة في أطراف الكرة الأرضية، ولا هي لقيطًا التقط من أمام بوابة التاريخ، لأنها في قلب الأرض وهي صانعة التاريخ وحارسة أبوابه، فإن وجودها وتقدمها مرتبطان بعلاقاتها مع محيطها تأثيرًا وتأثرًا، وقد ثبت أن القوة الناعمة لمصر منذ التاريخ القديم نفذت إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب، إذ لم يصبح الهلليني هللينستيا إلا بعد أن تأثر الإغريق والرومان بحضارة مصر وثقافتها الممتدة من العقائد الدينية إلى الفلسفة والرياضة والفنون.. وعلى ذلك ومع حقيقة علاقات التأثير والتأثر تلك فإن أية محاولة لصحوة إحيائية مصرية لابد أن تضع في اعتبارها ما يجري على صعيد الفكر والثقافة في ذلك المحيط العربي والإفريقي والإسلامي والدولي، واكتشاف آليات التعامل معه، لأننا حتى هذه اللحظة، ورغم العديد من الكتابات التي رصدت انحسار الدور الفكري والثقافي المصري، بل واستطاعة تيارات ثقافية بعينها اختراق حائط الصد المصري وتشويه ملامح الشخصية الثقافية المصرية، إلا أننا لم نبذل جهدًا بحثيًا منظمًا في رصد وتحليل واستخلاص دروس هذا التفاعل سلبي النتائج على مصر.

تلك أسئلة يختلط فيها التقرير بالاستفهام، وأظن أن الإجابة مطلوبة من العقل الثقافي المصري فهل من مجيب؟!
                         

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 11 يناير 2018.