Wednesday, 21 March 2018

الأمومة المصرية.. مفهوم مغاير





كتلميذ كسول، تراكمت على العبد لله موضوعات الكتابة التي كنت أؤجلها لحين ميسرة، في الوقت، وفي مساحة النشر، وفي تدافع الأحداث اليومية.

وما إن عزمت على البدء في الوفاء بما أجلته دهمني عيد الأم الذي تحول إلى ملف آثرت إدارة تحرير "المصري اليوم" أن تومئ إلى من يكتبون على صفحاتها بأن يساهموا فيه، ولم أكن لتفوتني فرصة المشاكسة والمناوشة، فهاتفت الكاتب الصحفي المتميز الأستاذ محمد السيد صالح، رئيس تحرير المصري اليوم، مستفسرا عن مصير الكاتب الذي لن يشارك في تنفيذ درس الإنشاء المقرر اليوم، وانعطف الحوار إلى وجاهة فكرة وأسلوب الملفات الصحفية التي تخطط لها الصحف كلما احتدم الحوار والخلاف حول قضية من القضايا الفكرية أو الثقافية أو الاجتماعية وأحيانا السياسية.

وكان الرجل كريما كعادته إذ تقبل الحوار، وكان أن امتثلت بيني وبين نفسي للدعوة، وقررت أن أؤجل الكتابة فيما تراكم عندي من موضوعات، حتى صرت ذلك التلميذ الكسول الذي يؤجل واجب اليوم إلى الغد.. وربما أبدأ الأسبوع المقبل في الكتابة عن الذكريات التي سجلها صديقي البروفسور أستاذ القلب المرموق شارل بشري بعنوان "الخروج من قندهار"، وأكتب أيضًا عن كتاب أهدته لي الأستاذة الدكتورة آمال حلمي سلام، وهو عن علاقة أبيها الأستاذ الصحفي الكبير حلمي سلام- رحمه الله- بثوار يوليو، ثم عن كتاب هو رسالة جامعية متميزة عن السادات ومعاهدة كامب ديفيد للباحثة السيدة فاتن عوض، التي تكرمت بإهدائه لي، وفيه- وبمنهج علمي يعتمد على الوثائق والشهادات المعاصرة- تقدم تحليلًا للمعاهدة ورصدًا لمقدماتها وخلفياتها ومسارها وخباياها الرهيبة.. ثم كيف لي أن أتجاوز عما كتبه الصديق الدكتور عبد المنعم سعيد في مقاله بالمصري اليوم بعنوان "الجغرافيا الاقتصادية لمصر" ونشر يوم 12/3/2018، وفيه أتي على ذكر اسمي مع الأستاذ عبد الله السناوي!

كل ذلك أجلته لأكتب عن الأم وأبدأ بما تعودت أن أستفتح به، وهو الضفيرة المتفردة التي خص بها المصريون أنفسهم دون بقية البشرية.. ضفيرة الأمهات الطاهرات الثلاث.. أم حورس.. وأم النور.. وأم هاشم.. وكلهن عند المصريين طاهرات، رغم أن الثالثة، السيدة زينب بنت الإمام علي وفاطمة الزهراء، تزوجت وأنجبت، وبالتالي فإن الطهر عند المصريين لا يعني البتولية والعذرية فقط، وإنما يتجاوزهما إلى التضحية والفداء والصمود في مواجهة الشر والظلم.

لقد تمكن إله الشر "ست" من أن يفتك بإله الخير والنماء "أوزيريس" ومزق جثمانه قطعًا بعدد أفرع النيل، وكان أن انتفضت إيزيس وسعت لجمع أشلاء زوجها وأعادت لحمتها وتمددت إلى جوارها فحملت حملا معنويا في حورس الذي نذرته لمقاومة الشر، وفاضت دموعها فكان فيضان النيل من تلك الدموع!

وتمكن اليهود من تحريض الرومان على الفتك بالمخلص يسوع، له المجد، بعد أن استطاع أن يواجه اليهود ويفحمهم بكشف زيفهم واتخاذهم من بيت الرب مغارة لصوص، وعندما انتهى أسبوع الآلام بمشهد الصلب كانت سيدتنا العذراء مريم التي اصطفاها الله وطهرها ثم اصطفاها ثانية على نساء العالمين، تقف بين الجموع وتبكي صامدة صابرة، وبقيت إلى أن انتهى المشهد لتتجه مع المجدلية للمكان الذي أودعوا فيه جسد السيد، له المجد، وكان ما كان، مما هو مذكور في بعض الأناجيل.

أما أم هاشم، السيدة زينب، بنت الإمام علي، فقد تمكن الشر والباطل الأمويان من الفتك بسيدنا الحسين، وكانت المذبحة الوحشية الرهيبة لآل البيت، وربما لا يعرف كثيرون أن من بين شهداء المذبحة كان الشاب عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وابن السيدة زينب، التي فجعت في أخيها سيد الشهداء وابنها وبقية آل البيت، ويذكر أن عونًا ابنها الشهيد ارتجز- وهو في ساحة القتال- أبياتًا يقول فيها:
إن تنكروني فأنا ابن جعفر
شهيد صدق في الجنان أزهر
يطير فيها بجناح أخضر
كفى بهذا شرفا في المحشر

وصمدت زينب- التي لقبها المصريون بالطاهرة- لأنها صمدت وصبرت وواجهت واستمرت في المواجهة حتى بعد أن تم أسرها وبقية من تبقى من آل البيت إلى مجلس يزيد بن معاوية.. وبقية المأساة معروفة.

هكذا أسس المصريون مفهومًا مغايرًا للأمومة، إذ جعلوا صميم مضمونها هو قوة الأم وصمودها وقدرتها على تحمل الآلام وعلى الاستمرار بالحياة.. ولذلك بقوا حتى الآن يتشفعون بالعدرا أم النور وبالطاهرة أم هاشم.. وبقيت الأم المصرية رمزًا عمليًا للمضمون نفسه، ولو أن المساحة كانت تتسع لمزيد من الحديث لاستطردت في سيرة أمهات عشت معهن وبينهن في القرية وفي الحارة.. وأقسم برب العزة أنهن كن وبقين يمارسن الطهر بالعمل والشقاء والصبر والتضحية بغير حدود.
                                  
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 21 مارس 2018.