Tuesday, 19 May 2015

«الطب والأطباء فى مصر».. عهد أبقراط




تصفحته أولا فجذبتنى محتوياته.. ثم تريثت أمام بعض عناوينه الفرعية فلم أستطع رفع عينى، وبعدها قررت أن أقرأه قراءة المتأنى الذى يحاول أن يفهم ويستوعب.. وفيما أنا ماض فى قراءة صفحاته نشب الحوار الساخن بين الدكتور خالد منتصر، وبين آخرين حول نوع معين من أنواع العلاج، يزعم أولئك الآخرون أنه ناجع لا قبله ولا بعده.. ويؤكد منتصر أنه فاجع من قبل ومن بعد..

ووجدت فى الأمر أنه فرع من قضية أكبر سبق أن كتبت فيها مستعينا برسالة وصلتنى من الصديق الأستاذ الدكتور سامح مرقس، أستاذ الأشعة بجامعة شيفيلد وفيها ـ كما نشرت فى هذه المساحة قبل عدة أسابيع ـ تفصيل حول الآداب والقواعد والأسس التى يجب أن تحكم ممارسة المهنة الطبية فى مصر وحتمية تشديد الرقابة على الإعلانات التى تغزو شاشات الفضائيات غير ملتزمة بأى قواعد مهنية أو علمية أو قانونية.

إنه كتاب «الطب والأطباء فى مصر.. بناء الهوية المهنية والمشروع الطبى» تأليف سيلفيا شيفولا وترجمة ماجدة أباظة وتحرير طارق يوسف، وأول ما لفت نظرى هو الإجحاف الذى لحق بحق المترجمة السيدة ماجدة أباظة، حيث لم يقدم المحرر أو الناشر الذى هو المشروع القومى للترجمة التابع للمجلس الأعلى للثقافة أى نبذة تعريف بصاحبة الجهد المضنى. ولفت نظرى أيضا أن الكتاب «نموذج مصغر من رسالة الدكتوراه التى نوقشت فى سبتمبر 1994 فى EHESS تحت رئاسة فانى كولونا».. وهالنى أن تهتم باحثة أوروبية فرنسية بهذا الموضوع ثم هالنى أكثر أن أجد تفاصيل امتزج فيها التاريخ بالاجتماع بالأنثروبولوجى بالثقافى دفعة واحدة بصياغة ممتعة، وكله متصل بمصر.. ومصر وحدها اللهم الاستشهادات فيها مقارنة بما حدث فى بلاد أخرى!.. وقد وجدت نفسى أمام عمل علمى متخصص لا يخلو من الموسوعية. وهنا يتعين توجيه الشكر لمن قام باختيار الكتاب لترجمته لنا ومن ثم الشكر المضاعف لمن عكف على الترجمة ومن ساهم بالتحرير.

وفى خضم الحوار الساخن حول حكاية العلاج الجذعى وهو حوار لا يمكن فصله عن آداب وأخلاقيات وأسس ممارسة المهنة وجدت فى كتاب «الطب والأطباء فى مصر.. بناء الهوية المهنية والمشروع الطبى» الصادر عام 2005 عن المجلس الأعلى للثقافة نصا لحكم أبقراط.. ولعهد أبقراط.. سأنقلهما بالنص لعل وعسى يقرأهما الذين جعلوا من الطب تجارة ونخاسة ودجلا وضلالا وانعداما للضمير.

نقرأ حكم أبقراط الذى ولد بجزيرة «كوس» حوالى سنة 46 قبل الميلاد وهو أشهر الأطباء الأقدمين وعاش 95 سنة ما نصه: «الطب قياس وتجربة.. كل مرض معروف السبب موجود الشفاء.. الناس اغتذوا ـ (تغذوا) ـ فى حال الصحة بأغذية السباع فأمرضتهم.. فغذيناهم بأغذية الطير فصحوا.. نأكل لنعيش، لا نعيش لنأكل.. يتداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تفزع إلى عاداتها».. وقيل له «لم يكن البدن فى أشد ثورته إذا شرب الإنسان الدواء؟ فقال لأن البيت يكون أشد غبارا إذا كنس!!» محاربة الشهوة أيسر من معالجة العلة.. ومن أجل حكم أبقراط: «ليس معى من فضيلة العلم إلا علمى بأنى لست بعالم».

أما عهد أبقراط فقد نقله موفق الدين ابن أبى أصيبعة فى كتاب طبقات الأطباء ونقله كتاب الطب والأطباء بنصه: «إنى أقسم بالله رب الحياة والموت وواهب الصحة وخالق الشفاء وكل علاج وأقسم بأسقليبيوس وأقسم بأولياء الله من الرجال والنساء جميعا وأشهدهم جميعا على أن أفى بهذا اليمين وهذا الشرط وأرى أن المعلم لى هذه الصناعة بمنزلة آبائى وأواسيه بمعاشى إذا احتاج إلى مال... وأما النسل المتناسل منه فأرى أنه مساو لأخوتى وأعلمهم هذه الصناعة إذا احتاجوا إلى تعلمها بغير أجرة ولا شرط وأشرك أولادى وأولاد المعلم لى والتلاميذ الذين كتب عليهم الشرط وحلفوا بالناموس الطبى فى الوصايا والعلوم وسائر ما فى الصناعة أما غير هؤلاء فلا أفعل له ذلك..

وأقصد فى جميع التدبير بقدر طاقتى منفعة المرضى وأما الأشياء التى تضر بهم وتجور عليهم فأمنع منها بحسب رأيى ولا أعطى إذا طلب منى دواء قاتلا ولا أشير أيضا بمثل هذه المشورة. وكذلك أيضا لا أرى أننى أعرض النساء لما يسقط الجنين وأحفظ نفسى فى تدبيرى وصناعتى فى الزكاة والطهارة ولا أشق أيضا عمن فى مثانته حجارة، لكن أترك ذلك إلى من كانت حرفته هذا العمل.. وكل المنازل التى أدخلها إنما أدخلها لمنفعة المرضى وأنا فى حال بعيد عن كل جور وظلم وفساد إرادى مقصود إليه فى سائر الأشياء التى أعاينها فى أوقات علاج المرضى أو أسمعها أو فى غير أوقات علاجهم فأمسك عنها وأرى أن أمثالها لا ينطق به.. فمن أكمل هذا القسم ولم يفسد منه شيئا كان له أن يكمل تدبيره وصناعته على أفضل الأحوال وأجملها وأن يحمده جميع الناس فيما يأتى من الزمان دائما ومن تجاوز ذلك كان بضده»!

سؤالى هو هل مازال خريجو كلية الطب يقسمون؟ وهل هناك ما يجبرهم على عدم الحنث بالقسم.. أى قسم.. وهل ستبقى هذه المهنة شبه المقدسة نهبا للعابثين ومجالا للنصب والاحتيال وجرائم الآداب؟

إن لى إطلالة أخرى على الكتاب لأحدثكم من خلاله عن إبراهيم النبراوى ومحمد على باشا البقلى ومحمد فوزى بك ومحمد درى باشا.. الآباء الرواد المحترمين للمهنة شبه المقدسة.

ولقد تلقيت تعقيبات كثيرة على مقال «سكلانس» الأسبوع الفائت، ويهمنى أن أنشر تعقيبا فيه إضافة مهمة أرسله السيد المحترم أحمد لطفى كبير معلمى فيزياء الطيران واستشارى شركة الطائرات العسكرية البريطانية السابق لشؤون التدريب، وفق ما عرف نفسه، إذ كتب يقول: «جاء فى معجم فرج للعامية المصرية والتعبيرات الشعبية للصناع والحرفيين لمؤلفه سامى فرج صفحة 222: سكلانس تعبير شعبى بمعنى خليط من عدة أشياء بدون نظام والتعبير محرف عن «اسكولانز» وهى علامة تجارية «ماركة» لنوع من الخمور كان منتشرا فى النصف الأول من القرن العشرين يخلط فيه الزبيب مع النبيذ مع البراندى ويؤدى للسكر وفقدان الوعى بسرعة وكلمة اسكولانز هذه يحتمل أنها مشتقة ومحرفة من الإيطالية Mescolanza وتعنى «خليط أو متنوع» كما يقترب معناها من «هيبرد» و«بزرميط» و«الطافية» و«السفنجة».. شكرا للسيد أحمد لطفى.
                            

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 19 مايو 2015.