Tuesday, 30 June 2015

من «كرار» الذكريات




سأهرب من السياسة.. ومن تجديد الخطاب الدعوى ومن حرتكات ـ لا أعرف معنى الحرتكة ـ المساجلات بين الليبرالية وبين الشمولية.. ومن التغنى بكفاح الغلابة فى مواجهة نواح أصحاب الفلوس!

سأهرب فى هذا النهار الرمضانى الذى يستطيل فيه الانقطاع عن الشاى والقهوة والدخان وحاجات أخرى لساعات طوال وأيام أطول!.. وسألجأ إلى «سحارة أو كرار» الذكريات يوم كنا نتناول الإفطار فوق سطوح الدار فى البلد الذى قيل إنه على شمال الدنيا، بعيدا عن الطريق الرئيسى الواصل من بسيون لدسوق وتفصله عن محطة قطار الدلتا الصغير البطىء الترعة الكبيرة أو ترعة القضابة أو الباجورية، وكانت نقطة البوليس فى كفر الدوار، القرية الأصغر، وهى قرية الصديق أحمد المسلمانى وغير كفر الدوار بحيرة.. ثم انتقلت النقطة إلى صا الحجر، ولم توجد فى بلدتنا ولو مرة واحدة مع أنها الأكثر سكانا!!

كان الطقس مثل الآن حارا رطبا.. والنهار طويلا أطول من الليلة السوداء!، والسطوح هو الأكثر طراوة.. والطبالى الثلاث متجاورة، الطبلية الكبيرة عليها يجلس سيدى «جدى» وستى «جدتى» وأبى وأعمامى والكبار من أولاد العم.. وكانت ستى تحتفظ بحلة الزفر إلى جانبها وتبدأ فى توزيع المنابات جمع نايب.. أى نصيب عند الأذان..

ولشدة الحر كان كل واحد من الكبار يضع قلة حمراء مليئة بالماء شبه البارد تحت ركبته وهو جالس مربع.. والتربيع غير القرفصاء.. المقرفص هو من يجلس ضامًّا ساقيه إلى بطنه وصدره وظهره إلى حائط أو مسند.. أما المربع فهو من يطوى ساقيه متقاطعتين على الأرض.. ولذلك ما زلت لا أفهم لماذا لم يقولوا «الكاتب المصرى المربع» بدلاً عن «جالس القرفصاء»، ولذلك قيل «ربّع يديك» أى ضع ذراعيك مثنيتين متقاطعتين على صدرك ولم يقل «قرفص يديك»!.. وكان تربيع اليدين علامة على الأدب!

المهم.. كانت القلة الحمراء القناوى تعلو عند لحظة الله أكبر ويظل صوتها يكركر دافقاً الماء فى الحلوق العطشانة أو الحمرانة لينسال الماء خارج الشدقين فيغرق الهدوم.. الجلباب والصديرى معاً!.. وكان بعضهم يعمد إلى أن يقف ويشير بذراعيه منادياً: ياللا أذن بقى!! موجهاً صياحه إلى عم الشيخ أحمد شهاب، مؤذن القرية، الذى كان ينادى من على مئذنة الجامع الهاشمى الكبير، ويدور من وراء الترابزين مسمعاً القرية وأجوارها من الكفور والعزب، وأبرزها كفر سالم وعزبة مصطفى باشا رشيد! وكان من سلالة عم الشيخ أحمد شهاب ابنه صاحب الصوت الجهورى المبدع الشيخ عبد الشكور شهاب الذى كان يقرأ القرآن فى المناسبات المبهجة والحزينة وينشد فى مولد سيدنا السيد إبراهيم بصيلة!

كانت ستى الحاجة حليمة تشرف من بعيد على نساء أولادها.. أمى وسلايفها والحلل الضخمة على الكوانين تغلى فوق وقود الحطب والجلة الجافة «الروث» وفى الحلل خليط من الزفر ينتج أطيب وأعظم شوربة ذقتها.. وقد طفت معظم القارات، ثم ينتشل الزفر ويوضع فى الأنجر الواسع وستى تقسم المنابات بلا حيف أو انحياز.. وكان كباب الفريك الذرة يوزع هو الآخر بجانب الزفر.. وقد سمعت فيما بعد أن بعض الوجبات لم تكن تمر على خير، عندما يعمد عمى الأكبر غير الشقيق لوالدى وإخوته إلى أن يخبط بالعظم على الصينية النحاس، إذ كانت المنابات من لحم البقر أو الضأن.. لأن الخبط كان العلامة أو «شيفرة مورس» التى يريد بها إبلاغ والده أن نصيبه فيه عظم أكثر من اللحم.. وعندها تنزل النازلة بالحاجة حليمة!

وكانت الطبليتان الأخريان للنساء والعيال، كل أم تجلس عيالها بجوارها أو على ركبتيها المربعتين، ويا ويلها إذا قفز أحد العيال ليلغوص فى صحون الكبار!

وفى أحد الرمضانات الحزيرانية أو التموزيةـ يونيو أو يوليوـ لا أذكر سوى أن القيظ كان بلا حدود، وكان الرجال جميعا يأخذون القيالة «قيلولة» للاستراحة فى عز الظهر من حصاد القمح.. حيث السنابل ذات النهايات الإبرية الحادة التى تنكسر فتدخل الجلد العرقان الملتهب من شدة أشعة الشمس.. وكلهم ممددون فى ظل صف أشجار الكافور والجازورين والصفصاف وبعض الجميز والتوت المرصوصة على جسر ترعة القطنى التى لا أدرى لماذا أطلقوا عليها «بحر القطنى».. وهو مجرى مائى غير واسع يفصل بين زمام قريتنا جناج وزمام قرية شبراتنا بلد آل الشاذلى.. وفجأة تغامز أربعة من الأخوال وأصدقاؤهم ونهضوا لينقضوا على الرجال النائمين المفرفرين ليحملوا الواحد منهم هيلا بيلا من يديه ورجليه ويقذفوا به إلى مياه الترعة.. وامتلأ المجرى برجال يشهقون ويتشهدون وبعدها انفجارات من الضحك بلا حدود، ثم خرجوا يتلمسون تجفيف ملابسهم المبتلة وبدأ الاستجواب: «بذمتك ودينك وربك ما شربت ميه؟!» فيرد المستجوب: «بذمتى ودينى مسكت نفسى بس الميه دخلت زورى غصب عنى!!»، واستمر الاستجواب داير ما يدور حتى اعترف الجميع بأن الله حليم ستار وغفور رحيم وعارف إننا شربنا غصب عنا!!

وفى الوقت بين الإفطار والسحور يوقد «الكلوب» ويعلق فى سقف المندرة الكبيرة فى الدوار، وبعد العشاء يصل قارئ القرآن الذى ورث المهنة سالفاً عن سالف وكان خفيف الظل لا بأس عنده من أن يقرأ عشراً أو ربعاً ثم يختم لتبدأ وصلة من «التأويز» أى التريقة المتبادلة، ولا بأس من اشتباك تستخدم فيه «مساند وتكايات» الكنب إلى أن تدخل صينية السحور، وهى تقليدياً تضم القرص الطرية.. والجبن القريش الطازج واللبن الرايب وبعض القشدة إن وجدت والعسلين الأبيض «النحل» والأسود، وأحيانا الفول المدمس والبيض إذا وجد!! ويتم الانصراف قبيل منتصف الليل.

وفى ليال رمضانية كثيرة.. كنا نعد للموكب، حيث كان هناك من يتفننون فى صنع تعشيقة من أعواد البوص الطويل وعند تقاطعاتها تعلق لمبات الشريط «اللمبة أو اللنضة الكشف» ذات الشريط القطنى المتدلى فى خزانها الملىء بالكيروسين.. وتتجاور بعدد كبير فى تلك التعشيقة حسب مهارة الصانع الذى يتقدم موكب الصبيان وبعض الصبايا الصغيرات فى جولة تدور يميناً على أضرحة أولياء القرية.. سيدى منصور.. وسيدى نصر.. وسيدى الوكيع وأبوالعبد وأبوالفتح وتصل إلى سيدى إبراهيم بصيلة ثم سيدى على الزبيرى.. وأسياد آخرين خانتنى ذاكرتى البعيدة عن حصرهم!

وكان لكل ولى مشجعون، ومعادون.. بل إن بعضهم كان يعمد إلى المهاجمة: «وآدى إحنا جينا لك يا سى الشيخ.. هانهدوا مقامك يا سى الشيخ»، وينبرى لهم غيرهم.. ولا يقطع الموكب سوى ظهور المسحراتى بالطبلة الضخمة أو البازة الصغيرة.. والأولى يقرع عليها بعصا غليظة ذات رأس مستدير..

والثانية يقرع عليها بقطعة من الجلد اللدن.. ومع المسحراتية وشعراء الربابة القادمين من قرية البكاتوش المجاورة ذكريات بلا حدود.. لم يكن هناك آنذاك سلفيون ولا إخوان ولا دواعش ولا قاعدة ولا تنطع ولا استفزاز ولا أصوات قبيحة ولا عداوات دينية وطائفية ومذهبية.. كان الكل فى واحد هو الطيبة والفطرة والهم المشترك والضحكة للنكتة أو التأويزة، ليتها أيام تعود!!
                        

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 30 يونيو 2015.