Tuesday, 15 September 2015

تحية لمحافظ القاهرة.. ولكن «آه» من لكن!



من بعيد لبعيد.. وأحيانًا من قرب أتابع الجهد الذى يبذله الدكتور جلال سعيد محافظ القاهرة.. وما أدراك ما القاهرة على رأى المعزول الإرهابى محمد مرسى؟!.. القاهرة تلك العنقاء التى جعلوها مع الغول والخل الوفى مستحيلات ثلاثة، ثم قالوا إن لها رابعا غير معروف «رابع المستحيلات»، وأظنه هو أيضا القاهرة التى تقترب من العشرين مليون نسمة يأكلون ويشربون ويقضون حاجتهم ويتعلمون ويتنقلون ويعبثون ويلقون الفضلات، ويسدون البلاعات بالفوط الصحية وفوط المطبخ والمخلفات الغليظة، لتطفح فى مداخل العمارات وتفيض فى الشوارع لتبدو بعض أحيائها وكأنها فينيسيا بدون سان مارك ولا جزيرة مورانو ولا الجندول.. ناهيك عن امتدادها الطولى فى كل اتجاه، حيث تبدو الآن وكأنها أطوال فى أطوال بلا عرض! عرض بالمسافة وليس بالأخلاق! لأن الدكتور المحافظ يحاول بكل طاقته أن يحافظ على شرفها وعرضها حتى لا يستمر هتكهما على يد كل من هب ودب، ابتداءً من باعة النصبات على الأرصفة وفى عرض الشارع، وليس انتهاءً بالمأفونين الذين أثروا واستفحلت ثرواتهم فى معادلة التزاوج بين فساد رأس المال وفساد السلطة.. وفى هذا حكايات وقصص ومآسٍ وطرائف بغير حصر!.. ربما أحكى إحداها فى السطور التالية.

كنت أشفق على المحافظ جلال سعيد وهو ينزل الشوارع مع حملات المرافق والمرور وإزالة المخالفات وتطهير شوارع وسط البلد من السرطان المرعب الذى حرم الجميع من مجرد فرصة تجوال فى حضرة العمارة الرائعة، وكنت كثيرا ما أسأل وأناقش صديقى الكبير أستاذ الجراحة العالمى ورجل المبادئ والمواقف الإنسانية، التى بلا حصر، الدكتور جمال سعيد، وهو شقيق المحافظ، عن كيفية تفكير شقيقه فى جبال المشاكل التى واجهت عديدين قبله ولم يفعلوا شيئا بل استسلموا واعتبروا أن قاعدة «ليس فى الإمكان أبدع مما كان»، ومعها قاعدة «ابعد عن الشر وغنى له» هما المعيار الذهبى لممارسة المسؤولية.. وطوال صداقتى مع الجراح العالمى النابه لم أشعر مرة واحدة ولو تسريبا أن «للعيلة» دلالا مصلحيا على المحافظ الذى يحمل اسمها.. يعنى لم يتصادف مرة واحدة وفى أكثر من مناسبة، وفى حضور عديدين يتنوعون كل مرة، أن سمعت «أصل أخويا عمل أو هيعمل..» أو «خلاص سيب لى الموضوع ده وأنا هأكلمه» أو «خذ التوصية واقصد كريم واتجه لمكتبه فهم هناك عارفين الأسرة»!!

بل إننى شخصيا انحشرت فى مطالبة أسرية من أهلى للحصول على «تربة» أو مقبرة فى القاهرة أو امتداداتها حتى لا يتبهدلوا إذا ما حان أجل أحد فى الانتقال بالجثمان إلى مسقط الرأس، أو للدفن فى مقابر قديمة امتلأت وتهالكت موجودة فى حزام المقابر القديم المحيط بطريق صلاح سالم!.. وتوقعت أن أجد مجاملة ولو بالوعد بتلبية الطلب.. ولكن كانت ضحكة صافية وقفشة من نوع إن شاء الله تجد الجثة من يريحها!!

مؤخرا استجاب المحافظ لما سبق وكتبت عنه وكتب عنه غيرى بمناسبة الذبح فى عيد الأضحى.. وكنت قد حكيت أكثر من مرة قصتى مع الخراف والجزار الذى أتعامل معه فى قلب منطقة ميدان الجامع بمصر الجديدة.. وكنت قد ذهبت مبكرا وجلست على كرسى مجاور لمحل الجزارة، وانشغلت بقراءة الصحف إلى أن انتبهت على من يصيح «هات أحمد بيه الجمال».. والتفت بقوة فإذا بصبى الجزار يشد خروفا ذى قرنين وتوالت التعليمات: «كتف أحمد بيه اذبح.. واسلخ.. وعلق.. وقطع أحمد بيه»، واكتشفت أن كل خروف تم حجزه من قبل يكتب على ورقة تعلق فى عنقه اسم صاحبه، ومن لحظتها يصبح هو الحامل لاسم صاحبه وينادى به!.. وكتبت كيف أن الذبح يتم فى الشارع وعلى مشهد من الحيوانات التى تنتظر السكين، وكيف أن عجلا من البقر كان مربوطا فى عامود النور وكل خلية فى جلده وعضلاته ترتعش ارتعاشا واضحا وهو يشاهد بنى جنسه وأولاد عمومته من الخراف يذبحون بلا هوادة! وعند العودة باللحم موزعا فى أكياس تخوض السيارات فى أنهار المياه المختلطة بالدم والفضلات الحيوانية التى كانت تملأ الكرش.. بل إن جزارا فى شارع الدكتور محمد حسين هيكل بالقرب من تقاطعه مع أبى داود الظاهرى بمدينة نصر يغلق الشارع تماما قبل العيد بأيام، لأنه يحول المساحة على الرصيف وعلى الأسفلت وصولا إلى جزيرة منتصف الشارع إلى مربط للحيوانات ويضع العلف ويمتلئ الشارع بالروث، ثم تأتى المذبحة ليصبح خليط بقايا العلف مع الدم مع الروث سيلا يتدفق إلى الشوارع المحيطة، وفى مقدمتها عباس العقاد والدكتور هيكل!

وسبق أن سقت مثالا بالدول الخليجية، حيث يذهب المواطن إلى المسلخ الرسمى ويختار الأضحية ويراقبها من وراء حاجز زجاجى وهى تذبح ثم تجهز ليتسلمها جاهزة مقطعة فى أكياس! ولذلك فإن قرار محافظ القاهرة بتغليظ العقوبة على الذبح فى الشوارع يأتى فى سياق طالما تمنيناه ولكن الغرامة وحدها لن تحل المشكلة إذ أين سيذهب الناس والجزارون بالحيوانات المعدة للتضحية.. وهل تم توفير مسالخ ولو سابقة التجهيز وسهلة التركيب والتفكيك، وخصصت لها أماكن محددة ليذهب المواطن إليها وينال ما يريده وينتهى الأمر.

أخشى ما أخشاه أن يتحول القرار إلى فرصة هائلة للفساد، لأنه من المستحيل أن تنزل الشرطة والجيش لمطاردة وعقاب الذابحين فى الشوارع، وإنما سينزل موظفو الأحياء وبعض رجال الشرطة.. و«كل سنة وأنتم بألف خير».. و«هات يا واد الفخدة للباشا أو الكبد أو حتى العفشة رأسا وأرجل وكرشا ومصرانا لأجل الممبار»، كل حسب درجته ومعها إكرامية العيد أى العيدية النقدية.. والجانب الآخر لن يتمادى فى عكننة الناس يوم العيد.. يعنى هو قرار عظيم على الورق ولكن لم توفر له ضمانات حقيقية للتنفيذ، أى إيجاد البدائل المنضبطة صحيا وبيئيا.

سيادة المحافظ كان الله فى عونك ولو نجح قرارك فى إنهاء المنظر البشع، منظر اختلاط الدم بالروث وبالزبالة وبالمياه وتدفقه أنهارا فى أرقى الشوارع، فأعتقد أنك تستحق تخليدا فى أحد ميادينها.. وكل سنة والجميع بخير.


نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 15 سبتمبر 2015