Tuesday, 1 September 2015

وزارة الداخلية ثانيةً



ما تلقيته من اتصالات من بعض مسؤولى الداخلية حول ما كتبته الأسبوع الفائت عما يجرى فى بعض المصالح التابعة للوزارة أمر محمود وسلوك طيب، لأن هناك من قرأ واهتم وتواصل مع صاحب الشأن، ولكن ما لفت انتباهى هو وجود زاويتين للمعالجة.. زاوية الاهتمام بالشق الإجرائى- إذا جاز التعبير- وإهمال صميم الموضوع، لأننى وجدت إصراراً على معرفة متى وكيف ومن وتحديدا «من» الذى تعاملت معه حتى ينهى المشكلة.. وعبثاً حاولت التأكيد أن هذا ليس بيت القصيد ولا مربط الفرس، لأن الذى حدث ببساطة هو أن شخصا وجدنا محتاسين وغاضبين، وعرض أن ينهى الأمر ويأخذ إكرامية!!.. وهى الإكرامية ذاتها التى قد يناولها أحدنا للشخص الذى سيكلفه أحد المسؤولين بأن يمضى معنا لإنهاء المطلوب، وبالطبع سوف نصر ونحلف بأغلظ الأيمان أثناء مرورنا بالطرقة الطويلة-!!- ليأخذ الحاجة البسيطة.. «أى الشاى بتاعه!» وكتر ألف خيره على ما فعل!

والزاوية الأخرى وهى مربط الفرس التى اهتم بها مسؤول التفتيش بالوزارة هى تغيير الوضع فى أفرع الأحوال المدنية والمرور وغيرها وتوسيع المقار بأى وسيلة، إما رأسيا بتعلية جزء من مبانى أقسام الشرطة، وإما أفقيا باقتراحى السابق حول تدبير مساحات مناسبة تقتطع من أى أرض تابعة للدولة!.. ثم حتمية وجود خطط للطوارئ.. يعنى كيفية التصرف فى حال كثافة طالبى الخدمة إما بنصب «شادر» فراشة وتزويده بالكراسى، أو بزيادة عدد الشبابيك وتوزيعها بشكل دقيق على الخدمات المطلوبة، يعنى هذا: شباك مخصص للرقم القومى، وثان لشهادة الميلاد، والثالث لكذا إلى آخره.. وأنا واثق أن لدى قيادات الوزارة حلولا أكثر جدوى مما أقترح كمواطن غير متخصص!.. والمهم هو أن لكل دولة أو حكومة السوس الذى ينخر أعمدتها.. أو «العتة» التى تحول نسيجها إلى هلاهيل مليئة بالثقوب المستعصية على الرتق!.. وهذا السوس هو تلك الأوضاع وأولئك الأشخاص- التى.. والذين- إذا التقوا تكفلوا بإجهاض وتدمير أى جهد وأى بناء!.. ثم إن القصص القرآنى حكى لنا ماذا يفعل السوس عندما أخبرنا عن نبى الله سليمان الذى أُعطى ما لم يُعطه أحد قبله أو بعده، وكيف أنه كان واقفا متكئا على عصاه ليراقب الجن والعفاريت وهم مسخرون بأمره، ويعملون وهم مرهقون مذعورون خوفا منه، وحدث أن مات النبى.. وبقى جثمانه مستندا على عصاه والجن يرونه واقفا من بعيد ولا يجرؤون على ترك المهمة ولا يعرفون أنه مات إلى أن ضرب السوس العصا ونخرها فلم تصمد وانكسرت فهوى جثمان سليمان بعد موته بوقت طويل!.. لذا أنادى وأناشد كل الوزراء وكبار المسؤولين من معاونيهم، خاصة فى الجهات التى يتعامل معها المصريون مباشرة، كالسجل المدنى والمرور والشهر العقارى والمدارس فى فترة تقديم الأوراق وغيرها، لا تتركوا السوس يدمر «عكاكيز» الحكم، ولا تغفلوا عن «العتة» التى تحاول هلهلة نسيج الدولة.. ولا تغفلوا عن أن الرصيد الذهبى لأى حكم هو تعاطف الجمهور وقناعاته بوطنية ونزاهة الحاكم.. وأن هذا الرصيد يمكن أن يتبدد إذا تحول مدخل شقق الشهر العقارى لسوق خضار وفاكهة، وترك الموظفون والموظفات عملهم ليشتروا ويقطفوا ملوخية ويقمعوا بامية ويقوروا كوسة.. وإذا تحول مقر السجل المدنى إلى زنزانة ضيقة يختنق فيها الناس ويختفى من وراء شبابيكها الموظفون.. وإذا تحولت شبابيك المرور إلى فتحات لاستقبال حق الشاى والساندوتش، وقامت الموظفات بوضع «أستك» على بداية أسورة كم فستانها لتدس فيه المعلوم، ثم إذا تحولت الآذان «من لحم ودم وصوان وطبلة» إلى «طين وعجين»، ويكون حالنا هو «لقد أسمعت إذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادى».

ومرة ثانية أشكر السادة الذين اتصلوا بى من رجال الوزارة، خاصة اللواء محمد رجول، الذى امتلك أفقًا رحبًا ووعيًا عميقًا بالأبعاد الحقيقية للموضوع.

وأنتقل إلى ما قد أظنه تخفيفاً من وطأة الكلام عن المشاكل، وهو من ذكريات الطفولة أو بالأصح الصبا.. عندما تم تأميم قناة السويس وبدأت المؤامرة الدولية الاستعمارية على وطننا، وشاركت فيها دول بريطانيا وفرنسا والدولة العبرية الصهيونية «إسرائيل».. إذ كنت فى العاشرة، وكنا فى قريتنا لنبتعد عن سماع أصوات الانفجارات التى كنا نسمعها واضحة ونحن نعيش فى مدينة دسوق.. وجلسنا فى الدوار وكان من جيران أخوالى رجل كبير اسمه العم حسن الخلالى الذى سأل مباشرة: على إيه الدوشة والحرب؟.. وجاءه الرد: على قناة السويس يا عم حسن.. وسرح عم حسن قليلاً ثم صاح: «قناة إيه وبتاع إيه».. ونطقها (جناة) وفق لهجتنا التى تقلب القاف جيماً.. ثم استرسل: «بدل الدوشة والحرب ييجوا ياخذوا (جناة) من الجنى- جمع جناة، أى القنوات- المتلتلة عند الشوادلية»، كان العم حسن شأنه شأن كثيرين من قريتنا والقرى المجاورة لنا يذهبون إلى قرية شبراتنا بلد آل الشاذلى ومنهم باشوات وبهوات وقادة عسكريون ولديهم مساحات هائلة من الأرض الزراعية التى تشقها قنوات بغير حصر للرى.. وظن الرجل أن قناه السويس لن تختلف كثيرا عن قنوات الرى الصغيرة فى الغيطان.. وقد تذكرت الحكاية بعدما خرج علينا من قال إن طشت أمه أكبر من القناة الجديدة.. غير أن الفارق الضخم بين العم حسن والمأخون وجدى غنيم أن الأول قال ما قال بحسن نية وطيبة أهل الريف وجدعنتهم، أما الثانى فقد قالها وهو لا يدرك أو أظنه يدرك أنه سيجلب اللعنة لأمه المسكينة التى شاء حظها العاثر أنها أنجبته.. لأن التنويعات التى كُتبت ونُشرت على «طشت أمه» بلغت حدوداً لا يمكن الإشارة إليها فى صحيفة يومية محترمة!



نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 1 سبتمبر 2015