Tuesday, 8 September 2015

نداء لحزب الوفد من ناصرى مخضرم




لن يغفر الوطن ولن يرحم التاريخ الذين دقوا الأسافين بين حلقات النضال الوطنى المصرى المتصل فى العصر الحديث، منذ ثورتى القاهرة الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية.. وأخص بالذكر تلك الوقيعة والقطيعة بين ثورتى 1919 و1952.. ولن يغفر الوطن ولن يرحم التاريخ ألف مرة هذه المرة كل الذين فرطوا ويفرطون حتى الآن فى القيم والإنجازات والميراث الإيجابى للثورتين.. خاصة أننا نعاصر منذ فترة مأساة تبديد طاقات التيار الوطنى والقومى الناصرى، ومحنة تفتيت وتقويض طاقات التيار الوطنى الوفدى، وتحول العلاقات الداخلية فى الوفد الذى يعبر عنه حزب الوفد الجديد، وفى التيار الناصرى الذى توزع بين عدة أحزاب، وفى كل حزب طغت عوامل الضعف والفناء على عوامل القوة والنماء ــ تحولها ــ إلى اقتتال شللى يحاول أصحابه إلباسه مسوح الموضوعية والمبدئية وخلافه!

ورغم أننى أنتمى للفكرة الوطنية القومية ذات المنحى الناصرى، وحسبما يظن البعض أن بيننا وبين الوفد ما صنع الحداد أو بالأصح ما نفخ الحداد، لأنه ينفخ النار والدخان بينما يصنع الحديد، إلا أن ما أعتقد أنه فهم تاريخى متوازن يحتم التعامل مع المرحلتين، باعتبارهما حلقتين متصلتين متكاملتين من حلقات النضال الوطنى، وأن ثورة يوليو لم تكن لقيطة فى تاريخ مصر، ومن ثم فلم يكن الوفد عقيمًا بحال من الأحوال، ولطالما أسهبت فى شرح أن الأوطان العظيمة لا تعرف معادلة «اللقيط ــ والعقيم» فى مسيرتها التاريخية!

ولذلك فإن ما يحدث فى حزب الوفد الجديد، وما يصدر من تراشقات، ويظهر من تشققات ليس خسارة للوفد والوفديين بقدر ما هو خسارة للوطن وللحركة الوطنية المصرية!

إننى لا أعتقد غياب هذا المفهوم على رجال من قامة الدكتور السيد البدوى ومحمود أباظة وفؤاد بدراوى وعصام شيحة، وغيرهم من رموز المتصارعين، ولكن أكاد أجزم أنه فى كثير من الأحيان يؤدى قصر النظر وتركزه على اللحظة الآنية أو ما تحت القدمين إلى تقزيم القامة وانحطاط الهمة عن حمل المهام التاريخية طويلة المدى.

وهنا أعاود التذكير بحكاية النبى سليمان والمرأتين المتصارعتين على رضيع، وأراد النبى الحكيم أن يعرف الحق قبل ظهور علم الجينات بعشرات القرون، فأشار إلى السياف «الجلاد» أن يشق الرضيع نصفين ويعطى لكل امرأة نصفًا.. وهنا قبلت إحداهما فيما صاحت الأخرى رافضة، وأعلنت تنازلها عنه حفاظًا على حياته!

وعندها قرر سليمان أن يعطيها الطفل، لأنها أثبتت بحرصها على بقائه سليمًا غير «مشقوق» أنها أمه الحقيقية!

ودعونا نقرر أيضًا أن غالبية النخبة السياسية المصرية الحالية، ومن ثم غالبية الناس لا يعرفون جوهر الخلاف بين المتشاققين فى الوفد الجديد، وهل هو خلاف عقائدى أيديولوجى فكرى حول ثوابت ومقومات ومرتكزات جوهرية فى البنية الفكرية الوفدية ــ التى لا مجال الآن للسؤال عن تفاصيلها ــ أم هو خلاف على مواقف وتكنيكات وتعامل مع متغيرات أم هو مؤامرة محبوكة تريد أن تعوض الفشل فى ضرب جذور ومقومات الدولة المدنية بتغليب وانتصار الرجعية الدينية، ممثلة فى الإخوان وأشباههم، فاتجهت إلى ضرب التكوين التاريخى والميراث الوطنى النضالى المرتبط بتأسيس الدولة المدنية ذات الملامح شبه الليبرالية، ممثلا فى الوفد.. ومن قبله تم ضرب وتفتيت التيار الناصرى وتقويض حزبه السياسى، وهو تيار ارتبط به أيضًا مفهوم وتكوين الدولة المدنية الحديثة!

هل رأيتم إذن أيها السادة المتصارعون أو بمعنى أصح «المتشاققون» فى الوفد خطورة المضى فى هذا الشقاق، وذلك الاقتتال الوهمى، بل مأساوية السعى لتفجير الأوضاع بالحزب، ومن ثم شيوع حالة الاستقطاب وبعدها تفشى روح الشقاق.. هل رأيتم إلى أين يصب ومن يخدم؟!

إننى لا أنسى محنة الحزب الناصرى الذى جاء تكوينه وإعلانه بعد مسيرة نضال طويلة كانت حركة التيار الوطنى القومى الناصرى فيها بلغت ذروتها، وكانت المؤتمرات تعقد فى أرجاء المحروسة ويحضرها عشرات الآلاف، وكان كاتب هذه السطور شاهدًا بل معايشًا ومشاركًا بالحضور والخطابة!!، ثم حدث الاختلاف عند الرأس داخل مجموعة القيادات، التى ضمت أسماء رنانة وانتزعت القيادة من فريد عبدالكريم ومنحت لضياء داوود، رحمة الله عليهما، وكيف وصل الحال بعد ذلك إلى ما وصل إليه من تبديد وتفريط، لدرجة كان يعمد فيها صديقى وأستاذى كامل زهيرى إلى الضحك الذى هو كالبكاء فيقول لمن حوله «لا بد من تغيير صفة ضياء داوود كرئيس للحزب الناصرى إلى سنديك التفليسة الناصرية»!!

يا حضرات السادة الوفديين من قيادات حزب الوفد لا تتحولوا من قيادات إلى «سناديك» ــ جمع سنديك إذا جاز الاصطلاح ــ لأن التفليسة لن تلتصق بالوفد ولا بالناصريين، وإنما ستلتصق بالوطن فنصبح كلنا شركاء فى «التفليسة الوطنية».

وللمرة الألف فإن الوطن لن يغفر والتاريخ لن يرحم من دقوا الأسافين بين حلقات النضال الوطنى المصرى.. وسوف يلعنا لعنة أبدية كل الذين فرطوا وسعوا للشقاق والاقتتال فى وقت يتعرض فيه الوطن لتحدى الوجود بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ: «الوجود العضوى البيولوجى للبشر والوجود السياسى للدولة، والوجود الحضارى والثقافى للشعب وللأمة».


نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 8 سبتمبر 2015