Wednesday, 15 February 2017

لوردات.. و"لودرات"!!




السؤال المستعصي هو: هل يحمي الموت من يصيبهم فينشر عليهم ما درجنا على تسميته "جلال الموت"، ويستند البعض في التمسك به على قول مأثور أو ربما حديث معناه: "اذكروا محاسن موتاكم"، بل إن بعضًا آخر يذهب للاستناد إلى نص قرآني فيه سؤال استنكاري "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا"؟!، وهل هناك مدى زمني يتحلل فيه ذلك الجلال أو يبهت فيصبح متاحًا ما كان غير متاح؟ وما المدى أو المساحة التي يجوز فيها التعرض لسيرة من رحل، والأخرى التي لا يجوز بحال من الأحوال؟ وهل كانت صدفة أن ترسى دور الوثائق والأرشيفات القومية في معظم دول العالم المتقدم قواعد للإفراج عن الوثائق منها مضي مدى زمني معين يبدأ بثلاثين سنة في الأرشيف البريطاني - على ما أتذكر - وقد يمتد لخمسين، وأحيانًا يكون هناك نوع من الوثائق يستحيل الإفراج عنه للاطلاع عليه، والوثائق هنا ليست مجرد أوراق رسمية مختومة، وإنما هي فوق ذلك أحداث ومضامين تتصل بأفراد بعينهم وبشعوب بذاتها، بما يعني أن حمايتها زمنيًا أو استحالة نشرها تتضمن ضمنًا حماية من جاء ذكرهم فيها!.. بل إن هناك من الشخصيات العامة من الساسة والمفكرين وغيرهم من يكتب مذكراته أو يترك أوراقًا وينص في وصيته على ألا تنشر إلا بعد وفاته بمدة كذا سنة!!

وربما يحدث أحيانًا أن يهتك البعض "جلال الموت" ولما لم يمض على الراحل أكثر من سويعات أو أيام.. أي وهم في انتظار المضي في التشييع وراء النعش أو وهم في كراسي سرادقات وقاعات العزاء، لدرجة قد تدفع المقرئ لأن يتوقف عن التلاوة ليذكر الحضور الكريم أنه إذا قرئ القرآن فاستمعوا وانصتوا.. وغالبًا ما يحدث ذلك في عزاءات الشخصيات العامة، حيث الحضور من "كريمة المجتمع"!.. بل إنني أذكر في هذا السياق مشهدًا لن أنساه عندما كنت سهرانا وزوجتي في منزل أستاذها وأستاذ الأساتذة حامد ربيع، وانتهت السهرة التي لم تخل من عباراته اللاذعة المكشوفة أحيانًا، وعدنا ليدق الهاتف عند الفجر لأتلقى من زوجته خبر وفاته، وكانت امرأة عراقية طيبة لديها منه ابن صغير! واحتست ماذا أفعل، وكان أن اتصلت بالدكتور أسامة الغزالي حرب، باعتباره من تلاميذه، والتقينا في منزل الرجل الراحل الذي كان ملقى على سجادة بالصالة ومن حوله بعض إخوته وجرى ما جرى مما يمنعني "جلال الموت" من أن أذكره! والمهم أننا أنهينا تجهيزه واتجهنا للصلاة على الجثمان في مسجد قريب من حديقة الحيوان، وعلى باب المسجد وقف اثنان من كبار زملاء المرحوم، ويبدو أنهما كانا مثلي لم يجدا فرصة لتجديد الوضوء، وعلى باب المسجد وعلى مسمع من العبد لله، وفيما الخشبة ومن فيها أمام صفوف المصلين دارت تعليقات من هذين الاثنين لا يمكن لأحد أن يتخيل أي قلب ميت يمكن أن تنفلت منه هذه العبارات، والعجيب أن بداية كل هجمة كانت تبدأ بعبارة "الله يرحمه بقى.. كان.."، وهاتك استنزال رحمة من هذا النوع!، وكنت أعلم أن الرجل الراحل كان لديه من السطوة العلمية والثراء المعرفي وقوة الشخصية ما كان يجعل عتاة العلوم السياسية صغارًا ضعافًا أمامه!

وأعود إلى السؤال المستعصي بمناسبة أن مطلع هذا القرن الحادي والعشرين شهد حتى هذا العام 2017 رحيل عديدين من كبار مشاهير السياسة والصحافة والأدب والفن، وكثرت الكتابة الملتزمة بجلال الموت، وإن لم يخل الأمر في بعض الحالات أن كسر البعض هذا الالتزام وجنحوا مبكرًا في "هبش" سيرة بعض الراحلين!

لقد كان من حظ عديدين - أنا منهم - أن يقتربوا من هؤلاء الراحلين، الذين كان بعضهم لا يمكن الاقتراب منه إلا بمواعيد، ومناسبات وترتيبات ولسقف زمني محدد سلفًا، وبعضهم الآخر كان يعيش حياة مفتوحة منطلقة متمردة على القيود والشكليات، وكم كانت اللقاءات الثرية في سهرات وسط القاهرة، حيث كان النهار يطلع أحيانًا ونحن في الجب خافت الإضاءة مستمرون في النقاش أو الطرب!، وعلى المستويين مستوى "اللوردات"،.. ومستوى "اللودرات" أي الملتصقين بالأرض، هناك مئات المشاهد وآلاف النقاط التي يمكن أن تتضمنها شهادات معاصيرهم ومخالطيهم وأصدقائهم عنهم، وبالقطع فيها كل ما هو إنساني، بمعنى أن كل ابن آدم خطاء!!، فهل من الوارد أن نتحول من جلال الموت إلى جلال الحقيقة فنبادر إلى مضمون جديد للتأبين لا يقتصر على ذكر محاسن ومآثر وحكمة وحنكة وموهبة وعبقرية الراحل العظيم، وإنما مع ذلك وفوقه قراءة الراحل قراءة نقدية محترمة.. حيث المبالغة في المديح والتبجيل لا تقل فداحة عن المغالطة في التمادي في الإسفاف والتجريح!

وما أذهب إليه من وراء هذا التوازن هو ضرورة إدراك أن للأمر وجهين، أحدهما ذاتي يتصل بشخص الراحل، وبسمعته وأسرته، والثاني عام ولن أقول موضوعيا.. وأعني بالعام هو أن المجال الذي تحرك فيه رجل السياسة والمفكر والأديب والفنان هو الوطن في ظرف سياسي اجتماعي ثقافي معين، وأنه كان جزءًا من الديالوج الشامل، يؤثر فيه ويتأثر وربما ترتب على دوره إنجازات عظيمة أو إخفاقات مريعة، ومع الزمن، ومع منظومة التفكير المحكومة بالمبالغات والمغالطات، تتبدد "المادة الخام"، التي تتحول بواسطة أدوات مناهج البحث العلمي في الفروع المختلفة كالتاريخ والسياسة والاجتماع والنقد الأدبي وخلافه إلى دراسات علمية يقوم بها باحثون لدرجتي الماجستير والدكتوراه، أو يؤلف آخرون كتبًا تبقى مراجع علمية لا غنى عنها لصنع المستقبل.

إن جلال الموت لن يحول بين الراحل وبين الحساب الأخروي الذي عرفنا أنه دقيق، يستند إلى تسجيل بما هو أدق من "الفيمتو ثانية" لما حدث من أفعال وجرى من أقوال، وسرى من خواطر، وخفي من نظرات، واستعر من شهوات، وطفر من دمعات، وخشع من قلوب، ورطب من ألسن بذكر الله.. وهلم جرا.. ولو أن البشر تمكنوا من الاستناد في حساباتهم الدنيوية، أي تقييماتهم ونقدهم، إلى قاعدة معلومات مماثلة لاختلف الأمر.
                               

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 15 فبراير 2017.