Wednesday, 8 February 2017

لا نكذب.. وأيضا لا نتجمل!




الخيط رفيع بين الشفافية وبين جلد الذات!
والفرق دقيق بين الصراحة والمصارحة وبين الوقاحة والوجه المكشوف!
وشتان بين من يفعل ما يقول وبين من يقول ما لا يفعل!

وقد عرفت المحروسة هذه المسائل في علاقاتها مع من جلسوا على أريكة عرش حكمها عبر عصور وحقب امتدت بطول الزمان وعرضه.

ويمكن أن نلخص ما غاص في بطن السطور السابقة في أن نقول إنه إذا كان العلم والعمل والصدق والتطابق بين الأقوال والأفعال أمرا قائما يراه ويلحظه الجميع فإنه لا جلد للذات ولا وقاحة ولا قباحة "أباحة"، ولا مقت كبير كما وصف القرآن الكريم عدم تطابق الأقوال مع الأفعال!

فعندما يحرص الحاكم على أن يعلن- قبل أن يصبح حاكمًا وبعدها- أن لا شيء يخفيه ولا يخيفه أن يعلنه، خاصة أوضاع الوطن على كل الأصعدة، ويملك الرؤية والمنهج اللذين من شأنهما إجادة التعامل مع الواقع؛ فهو عندئذ يمارس الشفافية ولا يقع في جلد الذات الذي هو إمعان في الاستسلام للخطأ ومكوث في خطيئة تعليق كل السلبيات على شماعة العجز أو مشجب الأقدار.

وعندما يصارح الحاكم من حوله بأسباب الضعف والفقر وتكالب عوامل التخلف ومؤامرات الأعداء وشماتة الأخ وذوي القربى، ويعلن أنه وحده لن يستطيع مواجهة كل ذلك، ثم يؤكد أن مخطئًا أو متواطئًا أو لصًا أو خائنًا لن يفلت بفعلته مهما كانت مكانته، ويبرهن عمليًا وعلنًا على رؤوس الأشهاد؛ فإنه لا مجال لوقاحة أو خروج على الآداب المرعية!

ثم، وهو الأهم في نظري، عندما يطبق الحاكم معايير الشفافية والصراحة ومطابقة الأقوال للأفعال على نفسه وأسرته وبطانته، ويضرب المثل في العمل الدؤوب والمتابعة الصارمة والحفاظ على المال العام واحترام مشاعر الغلابة والحنو عليهم، والتعفف عن المغانم واللذائذ، صغيرها وكبيرها، ناهيك عن البذل من ماله الخاص، سواء بالتبرع أو بالتنازل عن بعض مستحقاته؛ فإنه عندئذ لا يقترب من المقت الكبير المنهي عنه في الأديان ومنظومات الأخلاق والقيم الرفيعة بوجه عام!

بعد ذلك، فإنه كما أن في الطب مدارس بعضها يؤمن أن الجراحة هي أنجح وأنجع الوسائل، وأن مصارحة ومكاشفة المريض بما عنده والمدى الزمني الذي يحتاجه للشفاء أو للقاء، والآخر يؤمن أن الجراحة هي آخر ملجأ، وأن التخفيف وعدم إحداث صدمة للمريض بحالته هو الأسلم لكي يضمن له ولو قليلا من السلام وإن كان زائفا! فإن المجتمعات كائن حي مثله مثل الإنسان الفرد.. تمرض وتصح وتنمو وتنضح وتشيخ وتضمحل، وفي مواجهة أمراضها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأيضا في مواجهة متغيرات الدهر؛ ثبت أنه لا يجوز حجب تفاصيل واقعها- مهما كانت حالتها- عن مواطنيها، لحفزهم على السعي بالعلم والعمل!

وعندما نعرف كمصريين أن بلدنا فقير.. وفقير جدًا وندرك أننا لسنا وحدنا في هذا الحال بل إن شركة صناعية واحدة مثل شركة "فيات" الإيطالية يبلغ رأسمالها حجمًا يتفوق على مدخولات عدة دول نفطية عربية، فإن هذه الحقيقة ليست خروجًا على الآداب المرعية ولا هي افتئات على الواقع، وإن كان يجب أن نستكمل جوانب الحقيقة بأن نذكر تفاصيل واقعنا الاقتصادي، وماذا دخل للخزانة المصرية في الفترة من بعد حرب أكتوبر 1973 بما في ذلك المعونات والمساعدات العربية وغير العربية، إضافة لناتجنا القومي، وأين ذهب البليونات "المبلينة"، ومن الذي سرق ونهب وارتشى! ثم لا بد أن نعرف كيف تم التفكير والتنفيذ في جريمة تخريب الصناعة الوطنية ثم تصفيتها وبيعها وتبديد أصول وتقنيات وخبرات لا تقدر بمال! ولا بد أن نعرف من الذي ضرب أهم ثروة وطنية مصرية في مقتل.. ثروة المواطنة التي هي أساس ثروة الانتماء والولاء والتفاني والإخلاص للوطن، وهذا هو الفقر الحقيقي!

ذات أيام عاش شعب، كالشعب البريطاني، لحظات الانتصار في الحرب العظمى العالمية الثانية، ولم يكن له أن ينتصر لو أن ونستون تشرشل أخفى حقيقة حتمية بذل الدم والعرق والدمع، واقتسام البيضة الواحدة بين أفراد الأسرة، وترحيل الأطفال إلى أماكن بعيدة عن استهداف قنابل المحور.. واستمرت حكاية اقتسام البيضة بعد تحقيق الانتصار.. وقس على ذلك شعوبا أخرى عرفت حقيقة أنها هُزمت وأن بلادها دُمرت وأن عليها أن تسهر وتكدح وتعمل بلا كلل ولا ملل ولا نوم.. وهذا ما فعله الألمان واليابانيون، ووصلوا إلى ما هم فيه الآن!

الخطيئة هي أن تتحول الشفافية إلى جلد للذات، وتصير الصراحة وقاحة، ولا يتطابق القول مع الفعل.. نجانا الله وإياكم من مهالك النفاق.
                          

نشرت في جريدة المصور بتاريخ 8 فبراير 2017.