Thursday, 2 February 2017

التشكيك في كل شيء




نجح نظام حسني مبارك في أن يكرس وبعمق- وقل ما شئت من ألفاظ فيها هذا المعنى- انعدام الثقة بين الناس وبين الحكم ابتداء من رئيس الجمهورية ونزولا لأدنى مسؤول.. وصار كل كلام أو حتى فعل يصدر عن المسؤول وهمًا حتى وإن ثبت العكس، وصارت الشائعة أصدق من المعلومة والشك أقوى من اليقين وهلم جرا.

يقف شاب ليقول ما قاله عن صرف المجاري والمخلفات في أسوان، ويستمع إليه رئيس الجمهورية ويبادر للتحرك من فوره لمشاهدة الأمر على الواقع، فيقال على الفور: سيناريو مرسوم وتمثيلية رديئة!

وتنادي امرأة من عامة الخلق على الرئيس فيما هو داخل سيارته وموكبه ماضٍ في طريقه، فيسمعها وتتوقف السيارة ليأمر بأن تأتي إليه صاحبة النداء ويحدث ما يحدث مما جعل عيونا كثيرة - منها عيناي - تدمع تأثرا بما يجرى، وفي كلامها تبوح المرأة بما تلقته من تحذيرات، منها أنهم سيضربونها بالرصاص لو اقتربت من الموكب الرئاسي، والرجل يطمئنها ويحضر الماء ليسقيها بنفسه، لأنه أدرك من شدة ما هي فيه أن ريقها جف خوفًا أو مرضًا، وكأنه يريد أن يقول لها ما نقوله عمومًا: اهدئي وابلعي ريقك.. متخافيش! ولكن الذين أجادوا حكاية السيناريوهات والتمثيليات قالوا أيضا سيناريو وتمثيلية! وقس على ذلك العديد من المشاهد والمواقف التي كان الرئيس طرفًا فيها.

ربما تعود الجذور إلى يناير 19777 عندما كانت البشريات تتعالى مؤكدة أن السلام مع الكيان الصهيوني وأن نهاية الحروب ستجعل الدنيا تمطر دولارات، وسيشاهد الناس "المونوريل" طائرا في سماوات بلادهم، وأن الرخاء والنماء والعز والفخفخة ستسود، بحيث إن من لم يغتني في عصر السادات فلن يشوف الغنى في حياته أبدًا.. وفجأة تنزل قرارات رفع الأسعار وتلتهب أيام الناس في عز برد يناير، وكان الانفجار الكبير في 18 و19 يناير.. ومؤكد أن هذه الجذور نمت وصارت جذعًا كبيرًا عندما شاع في فترة مبارك أن القاعدة التي يعتمدها الحكم لها عدة أضلع.. الضلع الأول هو أن البلد متفتت من شدة الفساد والظلم، وأنه مثل كوم الفخار المتكسر "الشقافة" إذا أردت أن تفعل معه أو فيه أي شيء فإنه سوف ينهار لأنه "متستف" بالكاد، وأي فاسد يقع دون أن يكون مرتبا "مستفا" لأوراقه يذهب إلى الجحيم في سبيل أن يبقى بقية الفاسدين في أماكنهم داخل الكوم إياه.. أما الضلع الثاني فهو موجه للناس: "قولوا.. واصرخوا.. وإلى أن تصلوا لأقصى مدى من الانتقاد والهجوم وحتى البذاءة.. ونحن سنفعل في المقابل ما نريد.. لكن إياكم والنزول في الشوارع لأنه عندها يكون لكل حادث حديث".. وبالفعل كنا وكان الناس يقولون ويصرخون والباشا الكبير والباشا الابن والهانم والجوقة كلها يفعلون ما يريدون.. ويأتي الضلع الثالث وهو اللعب على تناقضات الأجهزة مع بعضها البعض، أو بالأصح تنافسات رؤساء الأجهزة التي هي طبيعية من أجل إجادة العمل في دول المؤسسات الراسخة المستقرة وغير طبيعية أي مرضية عند غياب الروح المؤسسية أو عند تعمد الرأس الكبير إحداث الفرقة لإعمال قاعدة "فرق تسد"، والامتداد بهذه القاعدة إلى بقية أركان المجتمع بحيث تلتقي مع أخطر ما يواجهه وطن، وأعني به التفتيت والتفكيك، وخاصة إذا كان من ورائه قوى إقليمية ودولية لا تريد لمصر تحديدا أن تنهض أبدًا، ويبقى الضلع الرابع الذي هو الرهان في البقاء على الكرسي على إرادات خارجية إقليمية ودولية.. يعني طالما الدولة الصهيونية راضية ومطمئنة فإن الولايات المتحدة راضية، لأن الأولى هي البوابة الحقيقية- في نظر مبارك- للثانية!

ولذلك.. بقي الأمر لينضح على جسد المجتمع بين حين وآخر.. إذ رغم أن الثقة عميقة وموصولة بين الشعب وبين جيشه ولم تهتز لحظة بينهما، وللأسف جاءت لحظات اهتزت فيها الثقة بين الشعب والشرطة مما استدعى جهدًا كبيرًا لمحاولة إعادتها قوية غير مشكوك فيها، ورغم أن الشعب هو من فوض الرئيس السيسي في المرحلة التي كان فيها وزيرًا للدفاع، ثم اعتمد التفويض بالانتخابات التي فاز فيها بأغلبية قوية، وتأكد الأمر مرحلة بعد مرحلة، مثلما جرى الاستجابة لتمويل مشروع ازدواج قناة السويس، واستجابات أخرى حتى كانت ذروة الثقة بين الناس وبين الرئيس السيسي في عملية تعويم الجنيه وارتفاع الأسعار.. وعندئذ قد يصبح الأمر مسلمة بديهية، ولكن أتصور أنه لا مسلمات ولا بديهيات في هذا الصدد، لأن معاول الهدم وحناجر التشكيك لم ولن تتوقف عن تمزيق خيوط الثقة، ومما يضاعف من تأثيرها السلبي استمرار وجود مسؤولين بوجوه ومسلكيات تنتمي إلى المضمون الذي ساد في حقبة مبارك، ومن ذلك على سبيل المثال وليس الحصر حكاية سيارات مجلس النواب، وحكاية منع تنفيذ حكم محكمة النقض بعضوية الدكتور عمرو الشوبكي في المجلس.

إن خيوط الثقة وعوامل التماسك الجمعي المصري مع الرئيس ونظامه تحتاج الدعم والترسيخ دومًا حتى لا تذروها عوامل التعرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
                                

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 2 فبراير 2017.