Friday, 20 October 2017

هذه هي مصر العميقة




لا يجوز وبكل المعايير الوطنية والمنطقية وأيضا الإنسانية أن يأتي أكتوبر من كل عام ويتم الاحتفال بالنصر المجيد والاحتفاء بمن حققوه، سواء الذين استشهدوا أو الذين قضوا نحبهم ولحقوا بالشهداء أو الذين أراد الله لهم طول العمر، ويحدث التجاهل المتكرر لأبطال حقيقيين ساهموا في الصمود بعد الهزيمة، وأسسوا للعمل المقاوم المقاتل في مدن القناة وفي سيناء، وشاركوا فيه وتصدوا للعدو وأنهكوه، وسجلوا أروع سطور النضال الوطني الحقيقي الذي هو وحده يستحق وصف النضال وليس أصحاب الحناجر إياها ومحترفي طق الحنك والضالعين في تعويق بل وضرب مسيرة المواجهة والبناء التي تتم الآن.

أتكلم هنا عن الأبطال الذين هم بالعشرات والمئات ممن جاهدوا للبقاء في مدن القناة، رغم قرارات التهجير الإجباري التي صدرت لحماية الناس بعد أن عمد العدو إلى استخدام تهديد وضرب مدن القناة كورقة ضغط على القرار السياسي والعسكري المصري، واتجه العدو إلى تدمير منشآت حيوية كمصافي تكرير البترول لشركتي السويس والنصر، ومازالت صورة تدمير الزيتية ماثلة في ذهن كل من شاهدها آنذاك.

وقبل أن أستطرد في الكتابة عن العمل المقاوم- وخاصة في السويس كنموذج لا يلغي ولا يقلل من شأن الإسماعيلية وبورسعيد- أود أن أكتب ولو باقتضاب عن وقائع بعينها كان بطلها الأستاذ الدكتور عبد الحميد صفوت إبراهيم عبد الوهاب، أبرز علماء علم النفس الاجتماعي في مصر والمنطقة، والذي كان في 1973 "ملازم أول احتياط" في سلاح المدرعات المصري العظيم.. ولي الشرف الكبير أن كنا زملاء طيلة فترة الدراسة بكلية آداب عين شمس، وكنا من قيادات اتحاد طلاب الكلية والجامعة ومهام أخرى لا يتسع المجال لذكرها، ورغم أنني لن أذكرها إلا أنها تؤكد أن المعدن النقي الصلب لا يتجزأ ولا يكل طوال وجوده، بصرف النظر عن المكان والزمان، ويكفي أن أشير إلى أن عبد الحميد صفوت أمين اللجنة الاجتماعية باتحاد طلاب الجامعة 1970/1971 كان يعتبر ركوب "التاكسي" كوسيلة للانتقال أثناء تنفيذ مشروع الإسكان الطلابي الذي تكلف مئات الألوف، جريمة وخيانة وكان يركب الأتوبيس والترام ويرفض استرداد القرش ونصف "الثلاثة تعريفة"!، بينما كان غيره محترفا نهب أموال اتحادات الطلاب ويفضلون تدخين سجائر "دي موريه" الأجنبية!

كتب الدكتور صفوت على "الفيس بوك" في 16 أكتوبر 2016، موجها حديثه للشباب الذي لم ير الحرب، ويسمع ويقرأ كلاما للعدو الصهيوني يزعم فيه أن عاصمة مصر كانت مفتوحة أمامهم عند الكيلو 101: ".. هذا كذب وشهادتي هي أنني كنت ضمن الكتيبة 242 مدرع والتي أذاقت قوات العدو التي أرادت التقدم الويل وأوقفتها عند تلك العلامة، وأذكر وبكل فخر- والكلام مازال للمقاتل صفوت- أن جنزير دبابتي كان هو المحدد لهذه العلامة، حيث كنت آخر دبابة في مواجهة لصيقة بالعدو، وجاء عميد بقوات الطوارئ الدولية ومعه عميد بالجيش المصري بصحبة قائد الكتيبة وسألوني أين كان موقع دبابتك بالضبط ليلة أمس، وأشرت لهم إلى المكان الذي سجله ضابط الطوارئ الدولية على خريطته، وكانت هذه العلامة، أي الكيلو 101 طريق السويس.. وقد تم تسجيل ونشر كل ما قلته في كتاب إسرائيلي بعنوان "التقصير" أو "المحدال"، ترجمته منظمة التحرير الفلسطينية في بداية الفصل الثامن، وسؤالي لذلك الإسرائيلي الذي زعم أن أرضنا كانت مفتوحة أمامهم إلى القاهرة: لماذا لم تتقدموا خاصة أن قيادة الجيش الثالث كانت عند الكيلو 95 فلماذا توقفتم عند الكيلو 101؟!.. لقد كنت شاهدا على كذب وغرور الصهاينة الذين زعموا ذلك، حيث كنت في القوات المدرعة التي واجهت الثغرة وأوقفتهم"، انتهى كلام الدكتور صفوت، ويشرفني أن أقدم نموذجا يتمم هذه الشهادة وهو نموذج الأسرة المصرية العظيمة.. الأسرة التي لم تضن بأي جهد يساند المقاتلين.. واقرأوا معي تعليقا من شقيقة الدكتور صفوت على بعض الأحداث المتصلة بما نتحدث عنه.. إذ كتبت شقيقته نعمت إبراهيم: "لقد تعلمنا حب الوطن من شدة حبك له وخوفك على كل حاجة فيه.. وأشهد أنك طوال عمرك ما طعنت في وطنك كما يفعلون الآن فنقدك كان بناءً من خلال شعورك بالمسؤولية.. فاكر الهدية اللي جبتها معاك من الجبهة.. دبل مصنوعة من معدن الطائرات الصهيونية التي أسقطت".. وهنا يذكر المقاتل العالم الأكاديمي ما يلي: ".. لن أنسى ما فعلته يا نعمت أنت وأختنا ألفت من كتابة حوالي 200 خطاب إلى أهالي 200 مقاتل من زملائي كلفوني بعمل حوالات بريدية بمرتباتهم إلى أهاليهم.. وكان ذلك حول 28 أكتوبر قبل عيد الفطر، وكنت أول من نزلوا أجازة من الجبهة ولما ذهبت لمكتب البريد وكان على وشك الإغلاق وقلت لهم إن هذه الحوالات لزملائي في الجبهة، وفوجئت أن كل المواطنين ساعدوني في كتابة هذا الكم من الحوالات، وأن الموظفين أجلوا إغلاق المكتب لحوالي ساعة حتى انتهى المواطنون المتطوعون من عملهم.. واستلمت الحوالات وبدأت أنت وألفت في وضع كل حوالة في مظروف وكتابة الاسم والعنوان عليها، وكم كانت المفاجأة عظيمة أن فلوس المقاتلين وصلت إلى أهاليهم بمنتهى الدقة وبدون أية أخطاء.. تحياتي لك أختي الحبيبة"!!

هذه هي مصر يا أولاد الأفاعي، يا من توزعتم بين من يريد ذبحها بالإرهاب القاتل وبين من يريد إجهاض مسيرتها بفنجرة البق والتشكيك في كل شيء.. وأستكمل الكتابة عن المقاومة في السويس كمثال.. الأسبوع المقبل.. المقاومة الباسلة وبعض نماذج قادتها الأبطال الذين صمدوا في حصار المائة يوم.. وفعلوا ما يجعل من السويس في المكانة نفسها التي احتلتها مدن الصمود والمقاومة في روسيا وأوروبا، أثناء الحرب العالمية الثانية، ولن أمل بعد إذنكم من مناشدة القائد الوطني الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظرة للسويس.. حيث سبق وناشدته منذ عدة شهور، فإلى الأسبوع المقبل للوفاء بالنذر اليسير من حق الذين صمدوا وقاوموا وساهموا في تحقيق الانتصار.
                         

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 20 أكتوبر 2017.