Thursday, 26 October 2017

صفحات ونماذج من مصر العميقة




في أوقات المحن لا بديل عن استنهاض همة الأمة وبث روح الصمود والعطاء في صفوف الشعب، لتتجلى سماته الحضارية والثقافية الراسخة، وتتعاظم قدراته على التماسك والاستمرار مع أبنائه الذين تقدموا صفوف الفداء والتضحية في القوات المسلحة وفي الشرطة، ومن هنا فإن في مصر العميقة صفحات ونماذج حافلة بالعطاء لدرجة بذل الروح، سطرها وجسدها أبناء مصر من عامة شعبها الذين درجت تسميتهم بالمدنيين، رغم أنني ضد أن نتوزع بين مدني وبين عسكري، لأن الخونة لجأوا فترة طويلة إلى مد مؤامرة التفتيت والتفكيك لتصل إلى صميم النسيج الوطني، ساعين لتمزيقه دينيًا وطائفيًا وثقافيًا وجهويًا إلى أن قالوا هذا مدني وذلك عسكري!

النموذج الأول الذي أود أن أنعش الذاكرة الوطنية به، هو ما قام به أبناء البحرية المصرية يوم 21 أكتوبر 1967، أي بعد هزيمة 1967 بحوالي أربعة أشهر، عندما تمكن اللنش الصاروخي رقم 504 بقيادة النقيب بحري أحمد شاكر عبد الواحد القارح من إغراق المدمرة الصهيونية "إيلات" في البحر المتوسط، وكانت قوة اللنش مكونة من 21 مقاتلًا مع قائده أحمد شاكر، وكانت هذه أول معركة في العالم كله من هذا النوع، تلتها معركة أخرى خاضها اللنش رقم 501 بقيادة النقيب لطفي السيد جاد الله، حيث تم إغراق المدمرة الصهيونية "حيفا"، التي خرجت لإنقاذ طاقم "إيلات"، وتم بذلك إغراق ثلثي القوات البحرية الصهيونية من المدمرات في مدى ساعتين فقط أمام شواطئ بورسعيد.. وكانت تلك المعركة أول الغيث الذي استنهض همة الأمة آنذاك وبعث الأمل مجددًا في صفوف القوات المسلحة، التي لم تأخذ فرصتها في الحرب، ولذلك وأمام عظمة ما فعله الرجال أمر جمال عبد الناصر بمنح نجمة الشرف العسكرية للبطلين أحمد شاكر عبد الواحد القارح، ولطفي جاد الله، وهي أرفع وسام عسكري منح آنذاك لاسم الشهيد البطل عبد المنعم رياض، بعد استشهاده، ولا أدري لماذا لم يتم ذكر اسم البطل أحمد شاكر والبطل لطفي جاد الله في احتفالات مصر بيوم البحرية 21 أكتوبر، ولم تتحدث عنهما وعن الأبطال المقاتلين الذين كانوا في اللنشين وسائل الإعلام.. وأقل ما يمكن أن يقال هو "عيب.. وحرام" معًا!.. ولقد نعت قواتنا المسلحة البطل أحمد شاكر بعد وفاته بما نصه: "البطل الذي قاد أولى معارك النصر وسجل للتاريخ البحري المصري مجدًا خالدًا مدويًا في العالم أجمع، ورفع اسم مصر عاليًا في عنان السماء، وأصبح بفدائيته مثلًا يحتذي به كل جندي غيور على سيادة بلاده".

بعد هذا النموذج أنتقل إلى صفحات خالدة مجيدة، سطرها أبناء الشعب المصري في السويس، الذين قبضوا على جمر وطنيتهم وتوحدوا بتراب مدينتهم فصاروا معه كتلة واحدة شديدة الصلابة لم تستطع قسوة الهزيمة، ولا قوة العدو، ولا خيانة المستسلمين الذين توالت أصنافهم منذ 1967 إلى الآن أن تفك هذه الكتلة.. ومن أسف أيضًا، بل الأسف البالغ والأسى العميق، لم ينل أبطال المقاومة الشعبية، خاصة في السويس الباسلة حقهم لا ماديًا ولا معنويًا، ومضى منهم من استشهد أثناء المقاومة، ومن قضى نحبه بعد ذلك، ومن بقي على قيد الحياة يعاني كبر السن والمرض!.. بل إن المدينة الباسلة التي لا تقل بطولتها عن ستالينجراد وغيرها من نماذج المدن المقاومة عانت، وما زالت تعاني من إهمال، وقد سبق وناشدت الدولة ممثلة في القائد الوطني الرئيس السيسي، أن يتم الالتفات وبقوة إلى السويس وتعويضها عن عقود الإهمال العمدي، وجعلها درة وطنية تشع إنتاجًا وثقافة ووعيًا فوق إشعاعها الذي انبثق نوره بصمودها ومقاومة أبنائها.

إن ممن تبقى على قيد الحياة الآن من أبطال المقاومة الفدائي السويسي المقاوم المقاتل أحمد عطيفي، والمقاوم المقاتل عبد المنعم قناوي، ولكل منهما دوره الذي تكامل مع أدوار أبطال آخرين لن ينساهم التاريخ الوطني والإنساني، وإن تناستهم الأضواء والصخب اللذين تشهدهما وسائل الإعلام كلما جاءت ذكرى الانتصار.

إن الأهمية البالغة للتركيز الآن على صفحات الصمود الشعبي والمقاومة الباسلة التي كانت السويس وأبناؤها المدنيون نموذجًا فذًا لها، تكمن في أننا الآن تحديدًا في أشد الاحتياج إلى استنهاض الهمة العامة، واستخراج أنبل السمات في التكوين الإنساني المصري.

في كتابه "السويس تجربة مدينة" يرصد الصديق المناضل الوطني الراحل الأستاذ حامد حسب التفاصيل الدقيقة لما حدث قبيل 5 يونيو 1967، وبعدها حتى ما بعد انتصار أكتوبر 1973 ووقائع المقاومة الباسلة التي امتدت من التبرع بالدماء للدرجة التي أصدرت فيها المستشفيات بيانًا يدعو جموع المتطوعين للتبرع، الذين تزاحموا على مراكز التبرع بأن الثلاجات امتلأت عن آخرها، وعليهم الاحتفاظ بالدم حيًا في شرايينهم لحين الاحتياج إليه، وليس انتهاءً بالتصدي المسلح لمحاولات العدو الصهيوني، السيطرة على المدينة الباسلة، التي صمدت لحصار دام أكثر من مائة يوم!

ولقد أدرك المقاومون في السويس أن العدو يمارس عدوانه على ثلاث جبهات رئيسية.. الأولى، عدوان ثقافي يتمثل في تصدير ثقافات تمزق القيم البناءة، وتروّج لعوامل التحلل واللامبالاة، وثقافات تشوه التراث الوطني والروحي، والعمل على طمسه، وعلى قطع صلة الأمة بتراثها، وتعمل على اضمحلال الشعور بالشخصية الوطنية.

وما أشبه الليلة بالبارحة..

والثانية، عدوان اقتصادي وسياسي يتمثل في تصدير الاستثمارات الاحتكارية التي لم يقتصر دورها فقط على نهب الثروات الوطنية، بل تكون ركائز تتجمع حولها القوى المضادة للثورة في المجتمع، وتشكل عبئًا سياسيًا على انطلاق الأمة في مسيرتها التحررية التقدمية.

الثالثة، هي عدوان عسكري نظامي أو إرهابي يأتي تتويجًا لكل أشكال العدوان، ولأن مساحة النشر حاكمة، فإن لملحمة الصمود والمقاومة الشعبية، السويس نموذجًا، بقية إن شاء الله.
                         

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 26 أكتوبر 2017.