Wednesday, 27 December 2017

الضفيرة السلماوية


تمكن الأستاذ محمد سلماوي من جدل ضفيرة فريدة في مذكراته التي عنوانها "يومًا أو بعض يوم.."، ذلك أنك تجد حديثًا عن الأسرة العريقة من كبار الملاك الزراعيين وعن البيوت الكبيرة الأقرب إلى القصور والسرايات، وعن أجداد وآباء وأمهات لهم سمتهم المهيب وأصولهم العتيدة، وفي الوقت نفسه هو حديث عن مفارقات وطرائف وعيوب ونقائص لا يخلو منها بشر، وكان لدى صاحب المذكرات من الشجاعة والصراحة ما جعله يكشف الغطاء عن أوجه الصراع الاجتماعي الذي يمتد بين الذكور وبين الإناث في الأسرة الواحدة إلى العلاقة بين الملاك وبين الأجراء.. ثم بين القوى التقليدية في المجتمع الزراعي وبين السلطة التي نحت منحى له أبعاد طبقية اجتماعية محددة.

وتجد سردًا ممتعًا لتفاصيل منمنمة أقرب ما تكون للوشي "شغل الإبرة"، الذي تتجاور "غرزه" أو "عقده" بدقة فتصنع في النهاية لوحة بديعة تزين الثوب أو قماش صالون الجلوس، وهو ما تجلى في التفاصيل المتصلة بعمله في الجامعة، ثم الصحافة وانخراطه في العمل العام، ومرحلة السجن بكل ما فيها من مشاهد ذاتية وأخرى عامة.. لأننا نجد في تلك المشاهد رصدًا لمضامين ضفيرة العلاقات المتشابكة بين المسجون والسجان، وبين المتهم ووكيل النيابة، وبين المساجين أنفسهم من ذات الفئة الثقافية والسياسية، وبين تلك الفئة وفئات أخرى من المساجين فيهم النصاب والنشال والهجام والمختلس والقاتل والشاذ وتاجر المخدرات والإرهابي، وقد تمكن محمد سلماوي معتمدًا على ما سجله في دفتر صغير، وعلى ذاكرته، وعلى رواية بعض زملائه، من أن يجعل نهر المشاهد يتدفق فيسحر تدفقه الرائي كي لا يتمكن من إغماض عينيه عن المشهد وإن طال به وقت التأمل.

كنت بين مبتسم وضاحك ومقهقه وبين عابس ومتجهم وباكٍ طيلة قراءتي لما كتبه صاحب المذكرات عن رحلة الاعتقال، ووقائع ما جرى في سجن الاستئناف، إذ كنت طرفًا مباشرًا في كثير مما حدث، وربما يأتي الظرف الذي أنشر فيه بدوري وقائع ما جرى، ورؤيتي لما حدث، وأظن أن ما عندي قد يأتي متممًا ومفصلًا لبعض ما كتبه سلماوي، وستكون الإضافة هي ما حدث في المرحلة بعد خروجه من السجن في الأسبوع الثاني من مارس 1977 إلى خروجي في الأسبوع الثاني من سبتمبر 1977 واستمرار اعتقالي بصورة أكثر ضراوة من البقاء بين جدران الزنازين، لأنني فقدت عملي بالجامعة، ومُنعت من الالتحاق بأي عمل في مصر، إذ كانت موافقات الأمن حتمية، وتحقق ما قاله لي الأستاذ هيكل ساعة زرته لأول مرة بعد خروجي: "السادات سينكل بك تحديدًا وسيعرضك للجوع أنت وأسرتك".

لقد جاءت اللوحة السلماوية المشغولة بحرفية شديدة لتبدو في شكلها الظاهري حكايات إنسانية عن مسيرة شاب مصري عبر مراحل عمره، ولكنها في مضمونها رؤية عميقة للواقع المصري من زاوية نظر مثقف مصري، له تكوين اجتماعي وفكري وسياسي، يحمل سمات ليبرالية وجينات برجوازية ونزوعًا عميقًا للإنسانية والعدل الاجتماعي.. إذ هو نفسه الشخص الذي أعطى أرض أبيه للفلاحين الذين يفلحونها بثمن مناسب وبالتقسيط، وهو من أوقف أكل لحم ذوات الأربع، ثم ذوات الاثنتين، ثم السمك، لأنه لم يجد أية ضرورة تجعل من الإنسان كائنًا مفترسًا أو جارحًا ينهش لحم كائنات أخرى وإن كانت حلالًا بلالًا!!

رصد سلماوي الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي المصري في الفترة من 1976 إلى 1981 ولم يصدر أحكامًا من أي نوع، لا سياسية ولا قيمية، فلم يصدر إدانات ولا اعتبر نفسه ورفاقه قديسين متبتلين في محاريب الوطنية والعروبة والاشتراكية، وإنما قدم الوقائع ورصد العلاقات وأضاف نوعًا من التحليل ليترك للقارئ الفرصة ليستوعب الأمر ويعطيه التقييم المناسب!

ومن طبيعة الأمر أن تغيب بعض الوقائع عن رواية الرجل، وأن تلتبس بعض الأحداث وتتداخل بعض الأدوار، وتستعصي بعض التفسيرات لملاحظات سجلها هو بنفسه، لأن كثيرًا مما سجله كان مجرد إشارة سريعة مختزلة، ولأن المدى الزمني الفاصل بين وقوع الأحداث وبين لحظة الكتابة للنشر في كتاب استطال بما يكفي، لصعوبة استدعاء الذاكرة لما جرى!

كان الصراع عميقًا بين سلطة حكم يقودها السادات، الذي اعتقد اعتقادًا جازمًا بأن قرار الحرب الذي اتخذه وانتصار أكتوبر المجيد كفيلان بأن يُغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

فإذا أضفنا أنه كان – أي السادات - يؤمن بأن مصر أقرب إلى القرية.. التي هو كبيرها، وأن تقاليد القرية وما تعرفه عن العيب والغلط تحميه، باعتباره الكبير الذي يتعين على الجميع احترامه وتقبيل يده، فعندئذ سنجد أن الرجل صُدم صدمة هائلة بما حدث في يومي 18 و19 يناير 1977، وما كان فيهما من شعارات طالت أسرته وزوجته، وبعضها كان بألفاظ تعد بذيئة بوجه عام.. وهي الصدمة نفسها التي أظنها دهمته في المنصة بعد يناير بحوالي خمس سنوات، لأنه ظن لأول وهلة أن السيارة العسكرية التي هدأت من سرعتها، ثم توقفت أمام المنصة يريد من فيها من "أولاده"، رجال القوات المسلحة أن يحيوه، فوقف وهو يرتدي زي الفيلد مارشال، ومبارك وأبو غزالة، يرتديان زي المارشالية، ذا السمات النازية، ليرد التحية بأحسن منها، وإذا بالرصاص ينهمر، فكانت صيحته الاندهاشية، اندهاشًا مذهولًا مما يجري!

وفي كلتا الواقعتين، يناير 1977 وأكتوبر 1981 نجد أن الصراع السياسي ذا الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مصر قد احتدم لدرجة أثرت بعنف على كل صمامات الأمان التي يحتفظ بها كل نظام.

وفي مذكرات محمد سلماوي نرصد ذروة ثالثة بين يناير 1977 وأكتوبر 1981 هي ما جرى من اعتقالات في سبتمبر 1981، ومن إجراءات طالت الصحافة والجامعات وغيرها، وكيف أن أي نظام يجد بسهولة من يسوغ له إجراءاته ويشرعنها، دون أن يفطن النظام ومن يسوغون له أخطاءه إلى أنهما، كلاهما، يكتبان نوتة اللحن الجنائزي الأخير!!

وربما يكون للحديث بقية.
                            

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 27 ديسمبر 2017.