Tuesday, 5 December 2017

كتاب الله المفتوح "الأخيرة"




في الشمال الغربي للولايات المتحدة، كانت نقطة الشرطة الحدودية التي تستقبل القادمين من كندا، وكنت وزوجتي نحمل تأشيرة صالحة للدخول وبصحبة مواطنين كنديين، وقدمنا الجوازات بعد الفجر بقليل وسئلنا بعض الأسئلة، كان من بينها: هل تحمل سيجاراً؟ وأجبت بنعم، فسألوا أين صنع وكم العدد؟ وعندها تذكرت الكارثة التي أوقعت نفسي فيها، ذلك أنني نصحت بأن أنزع ماركة السيجار، لأنه كوبي وهناك حظر لدخول أية بضائع كوبية.. ووعدت أن أفعل ثم نسيت إلى أن صدمني السؤال، وكان أن قلت نصف الحقيقة، إذ ذكرت العدد وادعيت أنني نسيت بلد الصنع وطلبت أن أتوجه للسيارة لكي أتأكد وعند السيارة- وكأي مزنوق في جريمة- نزعت ماركة السيجار وإلى فمي ومضغتها جيدا وبصقتها، وعدت لأقول هذا هو السيجار وهو صناعة مصرية!!.. وانتظرنا زمنا غير قصير إلى أن سمحوا لنا بالدخول إلى ولاية واشنطن، ومنها كما ذكرت من قبل انطلقنا في طريقنا للمكسيك مرورا بولايات مونتانا وإيداهو ويوتا ثم نيفادا وأريزونا وكاليفورنيا، وكنت قبل سفري لتلك الرحلة قد انتهيت من إعادة قراءة الجزء الأول من الكتاب الذي أراه مهما، وكتبه "إدوارد جيبون" عن سقوط واضمحلال الإمبراطورية الرومانية، وبعدما مضينا في وسط الغرب الأمريكي- هائل المساحة وحيث لا ترى بشرا على مدى البصر ولمئات الكيلو مترات- فكرت في متى وكيف يمكن أن تضمحل وتسقط الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة، ومن ثم فقد كنت أحاول أن أدقق في كثير مما رأيت وسمعت طيلة خمسة وعشرين يوما، هي مدة الرحلة ذهابا وإيابا، توقفنا خلالها كثيرا للوقود وللطعام والشراب والحمام والمبيت في الموتيلات المتناثرة على الطرق السريعة، وفي بعضها تكون الغرفة منها للشارع مباشرة، ولذلك فعلى الزبون إغلاق الباب جيدا وعدم فتحه بتاتا إلا بعد التأكد ممن يطرقه! أما دورات المياه العامة المقامة على الطرق السريعة فغالبيتها بشعة لا يمكن استخدامها ولن أستطرد في وصفها!! ولأنني سأنهي هذا الجزء من المطالعة في كتاب الله المفتوح بنهاية هذا المقال، على أمل في أن أواصل بعد فترة، فإنني سأحكي عمّا ظننته المؤشرات الانطباعية للسقوط والاضمحلال، وكان أولها نقص الإحساس بالأمن، فرغم أنها أقوى قوة يعرفها العالم الآن وربما عرفتها المجتمعات البشرية عبر التاريخ، إلا أن المواطن الفرد والأسرة وأيضا التجمعات والمقار، لديهم جميعا الإحساس بالخوف وعدم الأمان، وهذا ما فسر لي الإصرار على الترخيص بحمل السلاح والإذن باستخدامه في كثير من الحالات، لأنك يمكن أن تطلق الرصاص وتصيب وتقتل أي مقترب من أرضك أو منزلك، ولأنك تتلقى دوما النصيحة بأنه إذا صادفك من يريد خطف حقيبتك أو سرقة ما معك فلا تعمل فيها "ضكرا" أي "ذكرا" وتقاوم وسلم ما معك، بل ظهر المثل الشهير المفجع "إذا وجدت أنه ليس هناك بد من الاغتصاب فلا تقاوم.. واستمتع"!! وهو موجه للمرأة غالبا، وقد رأيت بأم عيني حادث سرقة كدت أفقد فيه حياتي، لأننا كنا في مطعم سمك بالقرب من واشنطن العاصمة، وبجوار المطعم ساحة انتظار سيارات مزدحمة، وبعد وجبة السمك، خرجنا إلى السيارة ووقفت مع البعض انتظارا لقدوم من تأخر قليلا في الحمام، ثم توقفت سيارة كاديلاك سوداء من النوع بالغ الطول- أي ستة أبواب- ونزل منها سائقها الأمريكي الإفريقي، وتركها دائرة وأغلقها بإحكام، واتجه للمطعم، وفي ثوان جاء من قفز من سيارة نصف نقل ومعه حديدة أشبه بصفيحة المنشار، وبسرعة دفعها بجوار زجاج النافذة ومررها بعرض باب السيارة التي فتحت وركبها وطار، والسائق يقترب مولولا صارخا: سيارتي.. سيارتي، وبحماقة القادم من الجنوب أخرجت يدي من جيبي وأشرت له باتجاه السيارة نصف النقل وأنا أصيح بالإنجليزية: هذه السيارة، وإذا بعدة طلقات سريعة تتجه نحونا- أو نحوي بالأصح- ووجدت من يجذبني بعنف لانبطح أرضا ويجرني إلى أسفل أقرب سيارة واقفة، وانجلى الموقف بفرار نصف النقل وبموشح تأنيب للعبد لله: "أنت أتجننت.. فيه حد يعمل كده"؟!!

بعد الخوف كان الجهل، إذ تتلقى سؤالا: من أين أتيت أو من أين أنت؟، فقلت من مصر.. وإذا بالسائل الأفندي الأنيق يظهر علمه: "أوه.. إيجبت .. الشرق الأقصى" "Far east"!!.. وعبثا تشير بإفريقيا والأهرامات وأبي الهول.. أو عندما قلت: أتيت من "كولومبيا البريطانية" فإذا بالفقيه السائل: "أوه .. أمريكا اللاتينية".. وهلم جرا، وكان بعضهم لا يكاد يعرف شيئا عن روزفلت أو ترومان أو ماوتس تونج!!.. جهل بشع في بلد لديه أعظم مكتبة معاصرة وأعظم ثورات المعلومات والاتصال.. ثم يأتي الفقر أو بالأدق العوز، ففيما كنا على الإفطار في فندق بمدينة سان دييجو وكان التليفزيون يبث مشاهد العنف والحرب والموت في العراق، كانت أسرة أمريكية في المطعم تودع ابنها العشريني المنضم للمارينز والمتجه للعراق، وقد تزوج الابن قبيل سفره، لأن المكافأة المالية للمتزوج تزيد كثيرا عن الأعزب.. وخارج المطعم كان بعض المسرحين من خدمة المارينز يقفون عند تقاطعات الطرق، يرفعون لافتات البحث عن عمل وعن مساعدة، وبشر آخرون يبحثون عن الطعام في صناديق القمامة، وهناك في المقبرة الضخمة لشهداء أمريكا من جيشها، تجد قبورا كتب على شاهدها، إن المرحوم استشهد في واحدة من الحربين العالميتين أو في فيتنام وكان عمره كذا وثلاثين، وشواهد أخرى عليها أن الفقيد كان عمره واحدا وعشرين عاما واستشهد بعد سنة 2000!!.. ثم إنك تسمع عن مواطنين أمريكيين يحملون في جيوبهم أوراقا توصي بأنه إذا حدث وجاءه ما يستوجب إدخاله المستشفى فليتركوه ليموت خارجه حتى لا يتكبد أهله نفقات العلاج الباهظة.. يعني ذهاب للموت في الحروب من أجل المال.. وجوع ومرض بسبب العوز الذي هو الفقر واختلال الحال.

بعدها يأتي مرض إدمان المقامرة، إذ يمضي الأمريكي نهاره في عمله أمام الماكينات والأجهزة، وينفق دخله مساء في ماكينات القمار، حيث تمتد سلسلة في نهايتها "الكردت كارد"، من بنطاله إلى فتحة في الماكينة التي تسحب مباشرة من حسابه البنكي، ويضعون له الطعام والشراب في متناول يده، ليلتهم ويترع دون أن ينتبه، وعندما تزغرد ماكينة معلنة ربح أحدهم لما فيها من عملات تجدهم قد استعادوا الأمل في زغردة مماثلة فيبقوا مربوطين!

وأخيرا نجد مرض السمنة وزيادة الوزن، إذ يقال إن حالات بتر السيقان جراء الإصابة بالسكر نتيجة نمط التغذية مرتفعة جدا هناك، وقد أدى ازدياد حجم الأجساد إلى تفكير شركات الطيران في تغيير مساحة الكراسي!!.. وكان سؤال لنفسي: هل يكون الخوف والجهل والعوز وأمراض المقامرة والسمنة، هي السوس الذي ينخر جسد الإمبراطورية الأمريكية وأن ثمة احتمالات للسقوط والاضمحلال، كما حدث لإمبراطوريات سابقة؟! غير أنني على الجانب الآخر أدركت أنه "لسه بدري".. أي ليس بعد، فالإمكانيات هائلة والموارد الطبيعية وتنوع المناخ بغير حدود.. وأتمنى أن تتاح فرصة مقبلة لحديث عن آيات أخرى في كتاب الله المفتوح!
                              

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 6 ديسمبر 2017.