Wednesday, 20 December 2017

"فذلك جلف الطبع حمار"




تذكرت ما نسب للشيخ حسن العطار، عندما سأله سائل عن حكم الشرع في السماع، فقال: "من لم يتأثر بغناء البلابل على الأشجار، ورقيق الأشعار تتلى بعزف الأنامل على الأوتار، فذلك جلف الطبع حمار"! ومولانا الشيخ حسن- لمن لا يعرف، أو لمن يعرف ولكنه يتناسى- هو شيخ الأزهر من 1830 إلى 1835، وهو صاحب مشروع إصلاح الأزهر الذي وقف المشايخ التقليديون المتزمتون في وجهه، فكان أن أقنع العطار الوالي محمد علي باشا الكبير بالشروع في الإصلاح عن طريق البعثات وتأسيس المدارس الحديثة.

تذكرته فيما كنت أتمايل مع المتمايلين وأطرب مع المتواجدين- "من الوجد"- فيما كنا نسمع ونرى كورال سان جوزيف ينشد أكثر من عشرين ترنيمة بأصوات عذبة لأكثر من مائة شابة وشاب وصبي وصبية وطفلة وطفل تمتد أعمارهم من الرابعة إلى ما فوق الثلاثين، وتصاحبهم آلات الأوتار والنفخ والإيقاع، وعلى البيانو كان يجلس أبونا الراهب بطرس دانيال، صاحب البصمة العميقة المضيئة في التلحين والتوزيع والعزف والتوجيه وفي فن السينما أيضًا.. وبين ترنيمة وترنيمة كنت أهمس إلى من شرفت بجوارها، الإعلامية المثقفة وزيرة الإعلام السابقة درية شرف الدين: بالله عليك هل يمكن أن نتخيل أن يخرج من بين هؤلاء البشر أحد يفكر مجرد التفكير في إيذاء خلق الله من بشر أو حيوان أو شجر، ناهيك عن استحالة أن يمضي في طريق الإرهاب؟!

كان المكان كنيسة سان جوزيف في قلب القلب من القاهرة.. نعم في دار عبادة شديدة الثراء المعماري والبساطة الإنسانية، وكان الحضور كثيفًا ولكن السماع للألحان والإنشاد والغناء كان وكأنه سماع لموعظة واشتراك في صلاة!

وكما تذكرت مولانا الشيخ حسن العطار سرحت طويلًا في كوكبة المعممين الذين أسروا ألبابنا بقراءاتهم للقرآن الكريم وبأصواتهم في التواشيح والتسابيح والأذان، وفي التلحين الذي صقل أعظم المواهب الصوتية وجعل من أصحابها سيدات ورجالا أعلاما سامقة في سماء قوة مصر الناعمة! وسرحت في الارتباط الوثيق المثبت تاريخيًا وعلميًا بين ترانيم مصر القديمة ومصر المسيحية، وكيف أن جبروت الأداء الرائع لأمثال الشيخ رفعت والشيخ ندا ومصطفى إسماعيل وعبد الباسط والمنشاوي والبنا والطبلاوي والنقشبندي وعلي محمود وطوبار وعشرات مثلهم مستمد من أصول مصرية قديمة ومسيحية، ربطها جميعا امتداد التصوف في صور مختلفة عبر تلك العصور.

وتذكرت ما عشته مع المنشدين في موالد أقطاب وأولياء مسلمين وموالد العذراء والقديسين المسيحيين، حيث التطابق في اللحن والأداء، ولذلك فإن عبقرية الفنان انتصار عبد الفتاح تجلت في المزج الكامل بين هذا وذاك وغيره المتصل بأديان أخرى في منظومة عزف وإنشاد متكاملة!

كنت أنظر للأطفال الذين لم يتجاوزوا الرابعة أو الخامسة من عمرهم إناثًا وذكورًا وهم يترنمون ويغنون بحماس شديد وبوجوه ملائكية بشوشة، وهما البشاشة والحماس ذاتاهما اللذان كانا على وجوه الكبار البالغين.. وما كان لذلك أن يظهر لولا أن هناك تصالحًا حقيقيًا داخل تلك الأنفس الزكية، تصالح مع القيم الإنسانية الجمالية.. قيمة تلقي العلم وقيمة تذوق الموسيقى وأداء ألحانها والقيمة الجمالية للعمارة في بيت الله وللروح الطيبة والقدرة الصالحة اللتين يجسدهما وجود رجال دين يلحنون ويعزفون ويتحدثون ويجاملون ويرحبون بكل إنسان.. مطلق الإنسان، بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو دينه أو مذهبه أو نوعه!

وعندئذ.. لا بد أن نسرح سرحان المذهول المأخوذ بالكارثة، لنسأل أنفسنا قبل أن نسأل الزمان والمكان وغيرنا من البشر: ما الذي جرى؟! ومتى بدأت الكارثة؟! وكيف سمحنا لها أن تستمر؟!

لقد كنت وملايين غيري ممن لم تسمح لهم ظروفهم بالالتحاق بمدارس الجزويت أو الفرنسيسكان أو الدومينيكان أو غيرها من المدارس التي قد لا تقبل أمثالنا- كنا- أيضا نتعلم الموسيقى في حصتين متصلتين.. ونتعلم الرسم والأشغال والفلاحة.. وكنا في جامعة عين شمس- على سبيل المثال حيث تعلمت وتخرجت وعملت- لدينا فرق متميزة للموسيقى على أعلى مستوى، وللمسرح وللرقص الشعبي وللجوالة والرحلات وغيرها، ومن تلك الفرق الطلابية سطعت نجوم متميزة في مجالات التلحين والغناء والتمثيل والإخراج والتأليف.. فأين ذهب كل ذلك وكيف سمحنا له أن يذهب؟! وكيف تركنا الأبواب مواربة ثم مفتوحة ثم بغير "ضلف ولا ترابيس" ليدخل منها التجهم والقبح والعنف والقتل والجهل والجهالة والأمراض النفس اجتماعية الوبائية المخيفة؟!

بداية الإجابة عندي، وقد أكون مخطئًا أو مغالطًا أو مغرضًا، تقول افتحوا ملفات عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل وتوفيق عويضة وكمال أبو المجد وأشرف مروان.. وملف السادات.. وتوقفوا طويلا أمام الصفحات المتصلة بتكوين الجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية ابتداء من عام 1972 ثم بعد ذلك الصلح مع الإخوان والتمكين للسلفيين! افتحوها ربما يتبين أن هناك ظلمًا لتلك الأسماء أو يتبين أن ثمة ما كان وبقي مخفيًا إلى الآن!

تحية للآباء الفرنسيسكان ودورهم التنويري الشامل في التعليم والفن وخدمة الفقراء، وتحية خاصة للأب بطرس دانيال.
                          

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 21 ديسمبر 2017.