Wednesday, 18 January 2017

99 عامًا على ميلاده… الإنسان في قلب الزعيم




كان منزلا صغيرا في إحدى ضواحي العاصمة اليوغوسلافية "بلغراد" – أيام أن كانت يوغوسلافيا دولة اتحادية – وكان يقيم فيه مع زوجته وأولاده الثلاثة.. كان في المنفى الاختياري الذي وفر له التأمين المناسب، فيما هو متهم على ذمة القضية المسماة "تنظيم ثورة مصر".. وقد استدعاني لحوار ومهمة، فما أن انتهى الحوار حتى وجدت نفسي ضالعا في المهمة، رغم أنني اعتذرت بشدة خوفا من أن أقتل.. ولذلك قصة أخرى..

المهم أنه أثناء الحوار رد على سؤالي لماذا اختارني أنا تحديدا مع كثرة من يرحبون وبقوة بأن يطلب منهم أي شيء، رد: "لأنك لن تتاجر بي ولن تتربح من ورائي، كما فعل آخرون ولأنك لم تكن إمعة ذات يوم.."، وعندها سرح قليلا وقال: ذات مرة عدت متأخرا إلى البيت في منشية البكري، وتعمدت التسلل إلى غرفتي حتى لا يشعر أحد خاصة الوالد أنني عدت متأخرا، وإذا بي أفاجأ بأنه ما زال مستيقظا، وناداني وسألني، أين كنت؟ وأجبت: كنت مع أصحابي نذاكر وخرجنا!.. فنظر لي وقال: سوف يأتي يوم تكون فيه مثل الحسين بن علي، وردد أبياتا مازلت أتذكرها وعرفت فيما بعد أنها من شعر أحمد شوقي في مسرحية مجنون ليلى:

أتسمع بشر، رضيع الحسين
فديت الرضيعين والمرضعة
وأنت إذا ما ذكرنا الحسين
تصاممت، لا جاهلا موضعه
ولكن أخاف أمرا أن يُرى
علىَّ التشيع أو يسمعه
أحب الحسين ولكنما
لساني عليه وقلبي معه
حبست لساني عن مدحه
حذار أمية أن تقطعه
إذا الفتنة اضطرمت في البلاد
ورمت النجاة فكن إمعة

كنت في زيارة خالد عبد الناصر في يوغوسلافيا، وكان الحوار حول دعوة وجهها له صدام حسين ليزور بغداد، ثم امتد للحديث حول من تكاثروا حول خالد وكان منهم منتفعون بلا سقف، وكانت المهمة أن أصحبه إلى بغداد، وكان اعتذاري بأنني سبق وهاجمت صدام، وسبق ورفضت دعوة لزيارة بغداد حملها ثلاثة مهمون آنذاك، هم محسن خليل ومصطفى النجار ونزار الحديني، ولذلك تلقيت تهديدا مباشرا بالقتل من سفير العراق في أبو ظبي في ذلك الوقت أوائل 1981 وعليه فإن ذهابي إلى هناك مغامرة ومقامرة، ولكني أمام ضغطه ضعفت وذهبت وما حدث يستحق أن يحكى فيما بعد!

وكان الحوار بينه وبين والده الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وقد تذكر خالد الحوار عندما انهالت عليه السكاكين والنصال، وسلخته ألسن كثيرة، فيما كان أصحابها يتصلون به ليعتذروا ويتعللوا بأنهم مجبرون خشية أن يلحق بهم أذى من السلطة!
***
وذات مرة جاءت للرئيس سيارة مرسيدس هدية من أمير الكويت، فأعطاها رسميا لزوجته السيدة الجليلة تحية كاظم، التي تعجبت وسألته: لماذا؟! وأنت لم تفعل ذلك من قبل إطلاقا؟! فابتسم وقال لها: لديّ إحساس أنه سيأتي يوم لن تجدي فيه سيارة تركبينها وأنا لا أملك ما أشتري به لك سيارة.. وقد فعلت ذلك لأنه لا أحد يعرف ماذا يخبئ لك الزمن!!

ورحل الزعيم الخالد، وتعقدت علاقات الأسرة بأنور السادات الذي أصبح رئيسا للجمهورية، وذات يوم فوجئت أسرة الزعيم بقرار من أنور بسحب جميع السيارات المخصصة لهم من سيارات الرئاسة، وفعلا سحبوا السيارات ولم تجد السيدة تحية سوى تلك السيارة، واشترت هدى سيارة فيات 128 لأنها كانت قد عينت معيدة في جامعة الزقازيق.. وظل الوضع على ما هو عليه حتى تحايل القذافي بطريقة ما ليرسل سيارات، فبدأ بإرسال سيارات فخمة هدية لأسرة السادات فلما قبلوها بادر وأرسل سيارات أقل فخامة لأسرة جمال عبد الناصر!
***
وفي أضابير الرياسة أن والده الحاج عبد الناصر حسين طلب سيارة يتنقل بها بعد أن كبر عمره وصعبت حركته، فكانت سيارة نصر 1100 صغيرة، ثم تلقى الحاج خطابا من الرئاسة يتساءل – أي ينتقد – الإسراف في استهلاك البنزين!
***
كان المنزل من طابقين الأسفل قطاع عام والأعلى قطاع خاص.. يعني الضيوف من فئة رؤساء الدول والزعماء يستضافون لغداء أو عشاء أو شاي على حساب الدولة في الطابق الأسفل، أما الأسرة فإن نفقات الأكل والشرب والملبس من مرتب الرئيس، حيث يتسلمه محمد أحمد السكرتير الخاص وعليه أن يتصرف.. وكان من حسن التصرف هو وجود عدة أيام خلال الأسبوع "قرديحي" يعني لا لحم ولا فراخ ولا سمك، وكانت حديقة الدار فيها مساحة لزراعة الخضروات.. وعشة فراخ.. وفرن لخبز العيش، وإذا شحت المونة داخل الدار وحديقتها ينزل الطباخ بـ"السبت الخوص" إلى الأسواق الشعبية ليشتري الاحتياجات.. وكان السر في الأسوق الشعبية التي تتغير كل مرة هو الجانب الأمني.. وقد بادرت السيدة تحية بإرسال خبز من إنتاج فرن منزلها إلى الرئيس مبارك فور توليه الرئاسة!
***
وزمان كنا نذهب مجموعة من طلاب جامعة عين شمس إلى منشية البكري في ذكرى عيد ميلاد الزعيم.. وكان عددنا محدودا في البداية، ويستقبلنا الراحل اللواء صابر عثمان بابتسامته وأدبه الجم ليدخلنا، فترحب بنا هدى وحاتم صادق ونجلس في الصالون الرئيسي، وفي أول مرة سألنا عن الكرسي الذي كان يجلس عليه الريس وعرفناه وتحاشينا أن يجلس عليه أحدنا، وبعد قليل تدخل السيدة تحية متشحة بالملابس السوداء.. وذات عام في النصف الأول من السبعينيات نشرت روزاليوسف حوارا أو ما قيل أنه مذكرات محمود الجيار الذي كان ضابطا، وكان أحد سكرتارية الرئيس مع محمد أحمد، وفي حلقة من حلقات الجيار قال إنه كان يحضر المخللات والجبن القديم من قريته لمنزل الرئيس، وسألنا السيدة تحية التي كانت قليلة الكلام فإذا بها تتحمس وترد: "كلام الجيار غير صحيح لأن جوزي ماكنش بياكل إلا من إيدي.. وكنت شاطرة في المخللات.. والمرة الوحيدة اللي الجيار جاب فيها حاجة تخلصنا منها لأنها كانت زلعة جبنة مليانة دود.. والدكتور اللي بيراقب الأكل قال إنها غير صالحة للاستهلاك الآدمي"!
***
ولأنهما ابنتان ولأن أي أم مصرية تحمل هم تجهيز البنات، فقد حدث ووصل مندوب مبيعات من شركة إيطالية مشهورة للأثاث، وتفتق ذهن مسؤول الشركة عن أن يبدأوا من فوق، فإذا حدث فإن مصر كلها ستكون مفتوحة أمام الشركة.. وبالفعل وصل المندوب وقابل سكرتير الرئيس للمعلومات وكان هو الآخر عنده بنات، وتلقى العرض فوجده مغريا جدا، وقرر بدوره أن يبحث عن طريقة مناسبة لإنجاز المطلوب فتكلم مع السيدة تحية وحاول إقناعها بأن تشتري من الشركة إياها لتجهيز البنات، ولكنها وكما تعودت لم تكن لتبرم أمرا إلا بموافقته.. واختارت لحظة من لحظات فراغه وصفائه وحكت له الموضوع، وأظهرت كيف أن الشراء من هذه الشركة سيكون أكثر توفيرا.. وبهدوء شديد وحنو أشد رد جمال عبد الناصر: هل ستتمكن كل الأسر المصرية التي عندها بنات على وش جواز إنها تشتري زي أنت ما ستشتري لهدى ومنى من الإيطاليين؟.. ما له العفش المصري؟!! وأغلق الموضوع بالضبة والمفتاح مثلما هي موضوعات أخرى، منها مثلا أن عبد الحكيم قبل أن يبلغ الثامنة عشرة كان يلح على استخراج رخصة قيادة، ويأتيه الرد: "عندما تكبر وتبقى 18 سنة"!.. وذات مرة كانوا على الغداء، وهو لقاء يحرص عليه الريس، فإذا بعبد الحكيم يسأل: ليه حضرتك مش عاوز تطلع لي رخصة دلوقت.. وفلان وفلان أولاد فلان وفلان أصغر مني وطلعوا رخص؟! فيمسح الرئيس فمه بفوطة السفرة، وينهض متجها للتليفون: "أطلبوا لي شعراوي".. ودقائق وشعراوي جمعة نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية وأمين التنظيم الطليعي وأحد أقرب المقربين لقلب وعقل الزعيم على الهاتف ليتلقى كلاما قصيرا حاسما: "يا شعراوي أنتم بتطلعوا رخص سواقة لأولاد قبل 18 سنة زي فلان وفلان.. الرخص تتسحب.. وما يحصلش تاني"!
***
وتتكرر بعض الحكايات مع السيد شعراوي، وقد سمعت بعضها منه شخصيا أبرزها أنه وجه الدعوة لبعض الأصدقاء وبعض المسؤولين للعشاء في منزله، وفي اليوم المحدد التهب ضرس السيدة زوجته، واضطرت للذهاب للمستشفى لأن الألم كان مروعا، ولم يستطع إلغاء العزومة فاستعان بطباخ من جروبي.. وفي اليوم التالي صباحا تلقى مكالمة من الرئيس! "يا شعراوي أنت كان عندك عزومة امبارح".. "أيوه يا فندم"، "طيب ليه جبت طباخ من جروبي.. هي مراتك فين"، ويرد عم شعراوي ساردا ما حدث بالدقة الشديدة فيأتيه الرد: "طيب حصل خير.. عندما يكون لديك ظرف مماثل إما أن تلغي الدعوة أو تختار الناس التي تدخل بيتك"!

وواضح أن البعض أكل وانبسط وخرج يثرثر حول نائب رئيس الوزراء الذي استعان بطباخ، ولم تقم زوجته بخدمة ضيوفه!

وواضح أن حظ السيد شعراوي، رحمة الله عليه، كان غير موات في بعض الأحيان، إذ وصل للرئيس خبر عاجل من الإسكندرية حيث يعيش بعض أخوته الأشقاء، وكان الريس يأنس جدا لأخيه عز العرب وبينهما علاقة شديدة القوة والخصوصية، وكان شقيقه الآخر هو السيد الليثي عبد الناصر.. وكان الخبر هو أن السيدة زوجة السيد الليثي اشتبكت مع أحد ضباط الشرطة بالإسكندرية، وأنها صعدت الأمر وأن الداخلية نقلت الضابط إلى مكان آخر.. ويتصل الرئيس بوزير الداخلية: "يا شعراوي هي فلانة لبستكم طرح؟!!.."، الضابط يعود فورا لمكانه ويتم الاعتذار له ويتم التحقيق ويأخذ مجراه ليحاسب المخطئ الذي ليس هو الضابط.
***
ومثلما حكى لي السيد شعراوي جمعة كان السيد أمين هويدي يروي أيضا عديدا من المواقف والوقائع، وكانت دموعه تنهمر أحيانا.. وأنا أستمع، وأحاول التخفيف عنه.. كان أمين هويدي الضابط الحر، المثقف والكاتب، الذي تولى مهام خطيرة ومواقع شديدة الأهمية.. كان سفيرا لمصر في العراق في وقت شديد الحساسية، ودائما ما كان يتصل بالرئيس، وذات اتصال هاتفي انتهى الكلام حول قضايا تتصل بالعلاقات المصرية العراقية، وعندها قال الرئيس لسفيره: "يا أمين عندي موضوع شخصي جدا وعاوزك تهتم به.."، وطبعا رد هويدي الرد المناسب، ليفاجأ بأن الرئيس يقول له: "خلال يومين سيكون الأستاذ أحمد بهاء الدين في زيارة لبغداد وعاوزك تهتم به يا أمين.. يعني تهتم كأنه أنا اللي في الزيارة.. ما تسيبوش يا أمين وما تعتمدش على الموظفين.. بنفسك يا أمين تشوف بهاء وتستقبله وتتابع زيارته كأنه أنا يا أمين"، ويردد أمين هويدي "حاضر.. حاضر" وتكاد المكالمة تنتهي.. ليعود الرئيس مؤكدا آه "مش هاوصيك على بهاء يا أمين"!

كان يحب بهاء الدين ويقرأ له.. وذات مرة نعقت غربان الشؤم تريد اعتقال بهاء ومحاكمته، لأن مواقفه وكتاباته مناوئة ويحسم الرئيس الأمر بصرامة: "أوعى حد يقرب منه.. بهاء شريف ومحترم ومواقفه وكتاباته من دماغه وليس متآمرا ولا يعمل على أجندة آخرين"!
***
وبعد النكسة قرر توسيع دائرة الاستعانة بالعلماء والخبراء في الوزارات، فاستعان بمجموعة منها الدكتور محمد حلمي مراد.. واختاره فوق الوزارة، ليكون مشرفا على لجنة وزارية مكلفة بتطبيق مضمون بيان 30 مارس 1968 وكان مجلس الوزراء برئاسة الرئيس شخصيا، وذات جلسة قال الرئيس موجها كلامه للجميع: "هذا المجلس هو أعلى مستوى في البلد وهو برئاستي، وكل ما يدور فيه هو من الأسرار العليا للبلد ولا يجوز لأحد أن يتحدث عنها أو ينقلها".. وبعدها أخذ حلمي مراد يرسل رسائل مكتوبة للرئيس عن الذي يجري في لجنة تطبيق البيان، فقال له الرئيس: "يا دكتور حلمي أنت لديك التليفون الساخن المباشر الذي أرد عليه بنفسي في أي وقت فلماذا تكتب لي هذه التقارير في زملائك.. يا دكتور حلمي لسنا في العهد الملكي كي نسجل مواقف على بعض"!

ثم في جلسة مجلس وزراء يقول الرئيس: "يا جماعة سبق وأكدت على أن ما يجري هنا أسرار عليا ولا يجوز نقلها لأحد من كان".. وفي المرة الأخيرة قال: "يا دكتور حلمي سبق وتكلمت وألمحت إلى نقل ما يجري في هذا المجلس وكنت أقصدك أنت، لأنك تنقل ما يجري كله لزوج أختك أحمد حسين الذي حاول بدوره أن يستغل معلومة نقلتها أنت له حول منحة عيد العمال، وأننا نفكر في تخفيضها أو تأجيلها نظرا لظروف البلد وإعادة بناء القوات المسلحة ليهيج المواقع العمالية.. وأنت لم تستجب ولذلك فلست مستعدا لاستمرار التعاون بيننا".. ونهض الرئيس مغادرا مجلس الوزراء وأسقط في يد حلمي مراد الذي حاول توسيط شعراوي جمعة وغيره، ولكن الرئيس أصر فاستقال حلمي مراد الذي ظل يتاجر ويزور الحقيقة ويعلن أنه الرجل الذي قال "لا" ولذلك ترك الوزارة.. وقد واجهته بنفسي بذلك عندما كنا ضمن متحدثين في مهرجان سياسي أقامته جامعة القاهرة بعنوان "الجامعة والمجتمع"، وكان هو آنذاك 1976 على ما أتذكر عضوا في مجلس الشعب عن مصر الجديدة، وقلت له بالحرف الواحد: يا دكتور لو حضرتك كررت حكاية الرجل الذي قال لا فسوف اضطر لذكر الحقيقة على الناس في المؤتمر.. وسألني مضطربا: وما هي الحقيقة.. فذكرت ما جرى بالضبط.. ولم يتطرق الرجل لحكاية "لا" هذه.

في ذكرى ميلاده التاسعة والتسعين أستعد، إن كان في العمر بقية، لأكتب مثلما لم أكتب من قبل عند حلول الذكرى المائة لميلاده.
                          

نشرت في جريدة المصورعدد رقم 4815 بتاريخ 18 يناير 2017.