Thursday, 26 January 2017

السويس يا سيادة الرئيس




مأساة أن يعمد كاتب إلى إنعاش ذاكرة المجتمع ومؤسسات الدولة بأمر بديهي جوهري يدل تجاهله على الخطر الساحق الماحق المحيط بالوطن ككل، وهأنذا بكل الأسى والأسف أحاول الكتابة عن المدينة المحافظة التي جسدت الشرف الوطني وضربت المثل الأعلى في الفداء والتضحية والصمود والقتال.. إنها السويس التي ما إن تصل إليها عبر طريق متميز واضح مريح يمتد إليها من القاهرة إلا ويفضي بك هذا الطريق المتميز إلى محنة لا يجوز أن تستمر، إلا إذا جاز أن نقبل بأن نوصف بالجحود والنكران والهروب من كل ما يمثل قيمة عليا رفيعة الشأن في حياتنا، وكأن حقب التهالك السياسي والانفتاح المنحط قد استولت على وجدان الأمة وجذبته إلى حضيض فكرها وسلوكها وقيمها!

السويس التي كان ومازال اسمها علامة فارقة في تاريخ العالم ومنطقتنا في المقدمة، إذ يقال ما قبل السويس وما بعد السويس إذا كان الأمر متصلا بتاريخ العلاقات الدولية ومصير الاستعمار القديم وبزوغ حركة التحرر الوطني العالمية وتجلي إرادة الأمم والشعوب التي رزحت تحت نير الاستعمار والظلم حقبا طويلة.

السويس منطلق الحجيج حقبا طويلة إلى الكعبة والروضة، ومرسى التجارة البحرية والقوافل البرية ومرتكز العديد من الأنشطة الاقتصادية، وفوق هذا وقبله وبعده بلد الغريب والناس الذين لا يقبلون أن يمس شرفهم الوطني، أي تراب بلدهم، معتد أيا كانت قوته.. وبغير دور هؤلاء الشرفاء الصامدين المقاتلين المقاومين بالسلاح والكلمة واللحن في حروب مصر منذ 56 إلى 1973 ما كان للمحروسة أن تفخر بما أنجزت سواء في دحر العدوان الثلاثي أو امتصاص الهزيمة في 1967 والترتيب للفعل القتالي والمقاوم قبل حرب الاستنزاف وأثناءها وصولا لنصر 1973 حيث السويس هي من حسمت الأمر!

هل يليق مع كل ما سبق وهو غيض من فيض ما يمكن قوله عن نموذج السويس أن يقال دوما إنها مدينة أو محافظة مغضوب عليها من الرؤساء، وبالتالي من مؤسسات الدولة التي لا تخلو لحظة من إمعات لا يميزون بين هوى أي رئيس وبين الواجب الوطني؟!

هل يليق أن يتكرر تعيين محافظين للسويس لا يعرفون الفرق بين أسلوب إدارة شركة يعمل فيها الناس عندهم وبين قيادة محافظة استراتيجية ضاربة في عمق التاريخ وسامقة في سجل الوطنية والمقاومة ضد العدوان وضد الاحتلال؟

وهل يليق أن تمتد أظافر وأسنان القوارض البيروقراطية إلى تراث وطني ينتمي لحقب عديدة، فتتحول المباني التاريخية إلى أطلال مخلوعة الشبابيك ومتآكلة الجدران تتكوم أمامها الزبالة، وأن تضيع معالم الأحياء التي تمثل قلب المدينة تحت وطأة الزحام وسوء التخطيط وغياب أية خطط للتنمية والتطوير، مع الحفاظ على الطابع الحضاري والسمات الثقافية ورفض الاستعانة بالخبراء من أبناء السويس الذين يحملون أرقى الدرجات العلمية ويتمتعون بخبرات راسخة وأفق ثقافي عريض وعميق؟!

هل يليق أن يمرض ويعجز رمز كالكابتن غزالي ولا يجد من يهتم به الاهتمام اللائق من مؤسسات المحافظة والدولة، وهو الرجل الذي كان وسيبقى رمزا للفعل الشعبي المقاوم الجسور؟!

لم تكن السويس عالة على الوطن، ففيها البترول وفيها المصافي والمحاجر والمصايد.. وقبل هذا وبعده فيها الإنسان الذي صمد عبر عصور التاريخ لظروف طبيعية بالغة الصعوبة.. ولمن لا يعرف فعليه أن يقرأ ما كتبه المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"!!

إن مستقبلا واعدا يفترض أن تنتظره كل محافظات القناة، أي السويس والإسماعيلية وبورسعيد، وبقية المناطق في خليج السويس وعلى الامتداد جنوبا إلى آخر نقطة حدود في البحر الأحمر، ولنا أن نتساءل وبقوة عن حاضر السويس المدينة والمحافظة وعن مستقبلها، وهل ستبقى فريسة لغضب غير مفهوم وغير مبرر، وحتى إذا قال من بيدهم الأمر أنه لا غضب ولا يحزنون وأن هذا وهم، فإن الواقع يقول وبفصاحة مبينة أن الإهمال وتراكم المشاكل واللامبالاة وغياب أية خطط استراتيجية للتنمية المستدامة وللحفاظ على المعالم التاريخية وإنصاف الإنسان، هو ما يؤكد أن ثمة ما هو أكبر من الغضب!

إنني كما ناشدت السيد الرئيس حول طنطا وكانت الاستجابة المشكورة فيما يتعلق برخص البناء، أناشد سيادته أن يبحث أمر السويس المدينة والمحافظة، ليدخل الفرحة ويزرع الأمل في حياة ووجدان أبنائها الذين لم يبخلوا بالدم والروح والعرق والقصيدة واللحن.. وللرئيس أن يطلب سماع الكلمات الخالدة واللحن الآسر: "يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي.. أستشهد تحتك وتعيشي أنت"!
                             

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 26 يناير 2017.