Thursday, 12 January 2017

قراءة في زيارة الرئيس للكنيسة




من صميم الفعل المقاوم أن نقاوم القبح، ابتداءً من القبح الداخلي للنفوس، وإلى كل ما يبدو قبيحًا مضمونًا أو شكلًا أو كليهما معًا.. وما أكثر ذلك في حياتنا، إذ منا من يبطن القبح ليظل كامنًا في كيانه كخلية سرطانية تكبر وتكبر لتلتهم كل خلية أخرى، خاصة خلايا الحسن والجمال بمعناهما الواسع المتخطي لقسمات الوجوه ومقاسات القدود.. والكارثة أن القبح إذا تمكن من باطن أحد هيمن على كل حواسه وعلى عقله وفؤاده، وعندئذ ينضح على لسانه وسلوكياته، ولا يرى في كل ما يفعله غيره إلا جوانب السوء والسلبية، حتى وإن لم تكن موجودة اخترعها وأكد عليها!

لقد عمت ثقافة القبح– إذا جاز الاقتران بين الكلمتين بحكم أن السلوك ثقافة– لتنعكس في معظم ما نفعله وما يحيط بنا، ولم تفلت واجهات البنايات، تلك التي تتكثف على بعضها لافتات قاطنيها من أصحاب مهن وشركات تجاورها أجهزة التكييف ومناشر الغسيل، وكلاهما يلقي بالماء على الجدران ورؤوس المارة! وقس على ذلك مئات المظاهر.. ولذلك كان حديث الرئيس السيسي خلال زيارته الكاتدرائية بمناسبة عيد الميلاد عن معادلة الحسن والجمال في مواجهة القبح أمرًا متميزًا وموحيًا بأن ثمة معيارًا معنويًا رفيعًا تقيس به الدولة- ممثلة في رأسها- الأمور.. لذا يتمنى المرء أن تلتزم مؤسسات الدولة كلها بهذا المعيار فلا تأتي قبيحًا بأي درجة ومن أي نوع.

وهنا أترك بقية المساحة لما كتبه الدكتور شارل بشري مجلى، أستاذ طب القلب، والمثقف الوطني المتميز، عن زيارة الرئيس واختار لما كتبه عنوانا هو "ماذا فعل السفهاء منا؟"، وفيه يقول:

"زيارة الرئيس السيسي للكاتدرائية اليوم زيارة أكثر من رائعة، مسح بها على رؤوس دامية، وضمد بها جروحاً نازفة، ورطب بها حلوقاً ظامئة. الزيارة وإن كانت تكراراً لتقليد رائع استنه منذ تولى الحكم، لكنها ذات معنى خاص هذا العام. زيارة بعد عمل إرهابي خسيس سقط فيه قرابة الثلاثين شهيداً، ولما يكتمل بعد عدد الشهداء النهائي. زيارة ولي لأمور جميع المصريين يهدهد بها أنات المتعبين ويضمد جراح المجروحين. زيارة من رئيس متمسك بقوة بتعاليم دينه الحنيف ولكنه أيضا غيور عليه ينقيه من أفعال المضللين الذين قتلوا ويقتلون باسم الإله والدين، وهما منهم ومن نجاساتهم براء.

إعلان السيد الرئيس عن إنشاء أكبر كنيسة ومسجد في مصر في العاصمة الجديدة بعد الانتهاء من ترميم كل الكنائس التي أحرقتها يد الغدر هو (ضربة معلم) من جنرال بارع التحركات التكتيكية شديد الذكاء الاستراتيجي. لم تأتِ كلمات السيسي عن الكنيسة الجديدة من فراغ ولكنها كانت رسالة متعددة الأغراض لكل الأطراف: رسالة طمأنة لأبناء شعب مصر من المسيحيين أن توجهات الدولة قد اختلفت اليوم عنها في الماضي، إذ إنها تعلنهم مكوناً أساسياً في نسيج مصر تعتز به بلاده ويعتز بها.... رسالة قوية بل صفعة على وجوه دعاة الفتنة، مضمونها أن مسعاهم قد خاب، وأن قبط مصر المسلمين والمسيحيين سيظلون في رباط إلى يوم الدين.... ورسالة إلى كل من فهم دينه السمح مغلوطاً بأن الاختلاف هو سنة الخالق في خلقه، وأن دعاوى التمييز باسم الدين وخزعبلات فتاوى المتطرفين التي تزعم ألّا مكان للكنائس الجديدة على أرض مصر قد أصبحت من الماضي وتخطاها الزمان، إذ لا مكان اليوم إلا لثقافة قبول الآخر والتآخي والتسامح بين أبناء الوطن الواحد.

السيد الرئيس الذي وعد فأوفى ببناء دور العبادة والملاجئ والمدارس المحترقة في أحداث الفتنة التي أشعلها الإخوان بعد فض رابعة هو هو نفس الرجل الذي انتفض لدم مسيحيي مصر الذي أهرقه الدواعش في ليبيا فشن غاراته على قاتليهم ليثأر لهم.. وهو هو أيضا نفس الرجل الذي لم يجعل اليوم يمر قبل أن يكشف عمن باعوا نفسهم للشيطان وقتلوا النساء والأطفال في البطرسية، وهم في أقدس مكان، وفي أقدس لحظات. هو أيضا ذات الرجل الذي وفى بوعده فرمم البطرسية في زمن قياسي مصداقًا لعهده الذي قطعه على نفسه قبل أن تبرد دماء الشهداء. هذا الرجل الذي نفخر به ونحبه من أعماق قلوبنا هو أيضا من صدر في عهده قانون بناء الكنائس الذي يعد نقلة كبيرة لم تشهدها مصر منذ الخط الهمايوني وشروط العزبي باشا لبناء الكنائس. لا نقول إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولكن الرجل مخلص بلا شك ويخطو فوق الأشواك والحسك المتراكمين عبر عقود وسنين ماضية. فإذا كان مفهوماً أن يصبح الرجل هدفاً لسهام المتطرفين ممن يتسترون تحت ستار الدين الإسلامي ليحققوا مآربهم السياسية.. نقول إذا كان مفهوماً أن هؤلاء يبذلون وسيبذلون كل جهودهم لإفشال مجهوداته الرامية إلى ترسيخ التسامح الديني وقبول الغير، إلا أنه من غير المفهوم ولا المقبول على الإطلاق أن نرى حملات للتشكيك والهجوم من بعض الأقباط المسيحيين، خاصة جنرالات المهجر منهم الذين لا يعجبهم العجب، فيسفهون ويشككون ويتفلسفون لوضع تنظيرات ما أنزل الله بها من سلطان، للتشكيك في نوايا الرجل ودوافعه. سادتنا المنظرين الأقباط الاستراتيجيين الذين لا يعجبهم العجب.. نحن سعداء بالرجل واثقون فيه ومن قبله في الله الذي يمسك قلب الحاكم في يده كقول الكتاب المقدس الذي نتمنى أن تكونوا ما زلتم تذكرونه. نرجوكم اتركونا وارحمونا من دموع التماسيح. سيدي الرئيس السيسي... شكرًا وألف شكر من أعماق قلوبنا التي أحبتك ولمستها كلماتك وصدقك.. نرجوك أن تسامحنا عما قاله ويقوله بعض السفهاء منا".
                               

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 12 يناير 2017.