Thursday, 2 March 2017

"شر البقر"




نعم مصر أكبر بما لا يقاس من أن ترد أو حتى تتوقف لحظة أمام تخرصات بعض الذين شاءت ظروف مرحلة الانحطاط العربي أن يتصدروا واجهة المسئولية في هذا البلد أو ذاك، وليس معنى أن مصر أكبر من ذلك أن يتم "التفويت" مرة بعد مرة للمتطاولين في السلطة الفلسطينية أو بعض المنظمات، ليس للدفاع عن مصر الوطن، ولا للترافع عن الدور المصري، ولا لتسويغ السياسة والمواقف المصرية، بقدر ما هو لتنبيه أولئك المتخرصين المتطاولين إلى أن سهامهم تخترق جسد فلسطين وتمزق روحها قبل أن تصل لمصر، لست بصدد تقديم كشف حساب بما قدمته مصر، لأن في القائمة بنودا لا يمكن تقديرها بأي معيار مادي ولا حتى معنوي، لأن مجرد الحديث عنها هو إهدار وإسفاف غير مقبولين، ولست بصدد كشف عورات الذين تصدروا الصورة في العمل الفلسطيني، سواء بعض الذين رحلوا أو الذين مازالوا مثل "شر البقر"، لأنها أمور لها من تخصص في الحديث عنها حتى من داخل أصحابها أنفسهم، وثبت أن من تطالهم سخائمها لهم جلود غليظة وأنفس تتباهى بالعيب وكأنه ميزات تدعو للتباري في حيازتها والمزيد منها! وما أنا بصدده هو عدة أمور، أولها أن لا فعل بشريا غير قابل للمناقشة وللتقييم، ولكن الفرق كبير وشاسع بين المناقشة على أسس سليمة واستهداف تصويب أي خلل وبين قلة الأدب والتطاول التي لو كانت ترتد آثارها على شخص صاحبها لما كان في الأمر شيء يستحق مجرد الالتفات، أما إذا كانت آثارها ترتد إلى علاقات بين شعوب وإلى مصالح أوطان وتصب في خانة تدمير ما تبقى من قدرات عربية، فهي تتجاوز لفظ الجريمة إلى أن تصبح مستنقع خيانة، الأمر الثاني هو أن تحمل المسئولية عبر تولي المناصب والمواقع القيادية يعني مباشرة الفهم الدقيق للفرق بين الثوابت وبين المتغيرات وطبيعة العلاقة بينهما، بمعنى أنه إذا حدثت متغيرات كالتي تجري الآن على أرض الواقع، ابتداء من الموجة الإرهابية العاتية وليس انتهاء بتغير الإدارة الأمريكية، ومرورا بما يحدث في أكثر من دولة عربية وانعكست هذه المتغيرات على تكتيك التعامل مع الدولة الصهيونية مثلا، أو على مفردات الخطاب السياسي والإعلامي فإن من يشغل موقعا مسئولا مطالب بأن يقرأ ما يجري قراءة مستندة إلى قاعدة معلومات صحيحة، ثم غير مغتربة عقليا عن الثوابت التي لم ولن يطرأ عليها تحول.

والأمر الثالث هو أن يبدأ المرء المسئول بنفسه أولا ليعرف مواطئ أقدامه وعلى أية أرض يقف، وما طبيعة الأرض التي يقف عليها فإذا كانت رخوة لزجة متحركة فعليه أولا أن يحفظ توازنه، كي لا يندفع القيء من جوفه على جسده أولا، وعلى من حوله ثانيا، وعليه أن يمارس فضيلة الصمت إذا كان جاهلا لا يعرف كوعه من بوعه في الأمر الذي يتحدث عنه، وعليه بعد ذلك أن يقرأ دفاتر من سبقوه وكيف أن جرائم ارتكبت بحق مصر على يد من كان الناس ينظرون إليهم باعتبارهم قادة نضال وكفاح مسلح طويل المدى ضد العدو الصهيوني، فإذا بهم يتحولون إلى كتل لحمية تحمل عقولا تآمرية تركت الكفاح والنضال وتفرغت للاقتتال الداخلي على المناصب والميزانيات والامتيازات، ولقتل من يعترض طريقهم من رفاق المسيرة، وتفرغت أيضا للتطاول على الدور المصري حتى وإن كان على رأسه آنذاك قائد بحجم وقامة جمال عبدالناصر.. وفي هذا فإن الملفات لو انفتحت فإن رائحة عفن كل ما سبق سوف تحرق كل إمكانية للتنفس، ومع ذلك كانت مصر وبقيت كبيرة تغفر هنات الصغار بل وتربت على ظهورهم تشجيعا وتأكيدا على استمرار العناية والرعاية أملا في أن يلتفتوا لأداء واجبهم الوطني التحرري، أما أن يأتي بعد ذلك كله وبعد أن كان الخطأ يمكن تجاوزه، لأن مرتكبه نال شرف الفعل المقاتل المقاوم ولو لمرة واحدة، يأتي فسل بلا فكر ولا تاريخ ليتطاول أو ينصب من نفسه قيما على القرار المصري فهذا هو الهوان بذاته.

الأمر الرابع - وهو في نظري شديد الأهمية - فإن من المتغيرات التي طرأت على المشهد كل ما أصاب القناعات الوجدانية للمواطن العادي تجاه القضية الفلسطينية من شوائب صار بعضها غليظا يصعب تجاوزه أو تجاهله، بل إن اللعب على وتر حتمية الابتعاد عن الهم الفلسطيني وتبعاته التي فعلت فينا كذا وكذا، كان ومازال يقتضي أن تتضافر جهودنا لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، فيعرف هذا المواطن مرة أخرى أن له انتماء قوميا وأن الخطر الماثل في فلسطين المحتلة هو قضية أمن وطني مصري من الدرجة الأولى، وأن التعميم أمر غير منطقي إلى آخر المنظومة الصحيحة والتي مازالت صحيحة وستبقى صحيحة إلى أن يستعاد الحق الفلسطيني، ولذلك فإن من يتغابون فيغتابون مصر ويجرحون دورها ومواقفها يساهمون مباشرة في مزيد من اغتراب المواطن المصري خاصة، والعربي عامة عن مكامن الخطر الحقيقية التي تفتك بالجميع.
                          

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 2 مارس 2017.