Wednesday, 22 March 2017

الأستاذ السيد يسين




هي الظروف أو الأقدار.. أو هي الصدفة سمها كما شئت من وراء معرفتي أو اقترابي أو صداقتي مع من أعتقد أنهم نجوم مرحلتي العمرية.. فقد عرفت الأستاذ محمد عودة واقتربت منه.. وعرفت الأستاذ كامل زهيري وصرت صديقًا قريبًا أو لصيقًا له لسنين عديدة.. وعرفت الأستاذ محمود السعدني واقتربت منه وبقيت أيامًا طويلة لا أفترق عنه إلا ساعات نومه مدة من فترة وجوده في الإمارات.. وعرفت الأستاذ أحمد بهاء الدين والتقيته مرات عديدة ارتقت لما فوق المعرفة وأدنى قليلًا من الصداقة، وجمعتني زنزانة واحدة مع الأساتذة فيليب جلاب وحسين عبد الرازق ويوسف صبري ومحمد سلماوي ومحمد يوسف الجندي وأحمد فؤاد نجم وزهدي العدوي.. وطوال الفترة من 1974 إلى سنة رحيله عرفت الأستاذ محمد حسنين هيكل واقتربت منه، وبيننا - دون أن يعني ضمير المثنى تساويًا في المقام - شؤون وشجون وصلت أحيانًا للعتاب الشديد وأحيانًا للتواجد - من الوجد - الشفاف!

وبحكم العمل الصحفي والاهتمام الفكري والسياسي اقتربت كثيرًا من الأستاذ صلاح الدين حافظ، والأستاذ محمد سيد أحمد، والأستاذ فهمي هويدي، والأستاذ جميل مطر، والدكتور سامي منصور، والأستاذ محمود مراد.. وآخرين قد لا تسعفني الذاكرة بالإشارة إليهم.. وبعض ممن ذكرتهم لهم فضل على العبد لله.. فهناك من أقرض مالًا في وقت كان فيه الشلن أو البريزة ثروة لمفلس، وهناك من عزم على الطعام في وقت كان الفول والفلافل أثمن من الموزة البتلو، وهناك من قدم المشروب حين كانت كأس الـ"ستلا" أشد اشتهاء من "البلولابل"!

وكثيرًا ما يحرضني بعض أصدقائي وزملائي على نسج هذه الخيوط لتصير كتابًا فيه جانب من تاريخ مصر الاجتماعي والثقافي، خاصة أنها علاقات اتسمت بالاستمرار مدى طويلًا، وفيها ما هو من نوع الفكر والثقافة.. وما هو من نوع التنادم - أي الصداقة شديدة الحميمية - والشغف بالضحك والسخرية.. ثم ما هو من نوع الاشتباك الخلافي والتراشق بالأسلحة الخفيفة، ابتداءً من القفشة والقافية والنكتة، وصولًا إلى المقال الانتقادي الهجومي اللاذع!

وفي السنوات العشر الأخيرة أو أكثر قليلًا بسنتين أو ثلاث عرفت الأستاذ السيد يسين، معرفة مجاملاتية، حيث إن الكثيرين من تلاميذه والمتعاونين معه أصدقائي وزملائي، ثم تطورت المعرفة إلى نقاشات سريعة في اللقاءات التي تجمعنا إلى أن كانت الواقعة المفصلية التي قطعت الطريق على المعرفة والنقاش ليدخل الاختلاف ثم الاشتباك الهجومي علنًا على صفحات الجرائد، إذ حدث أن دُعيت لأول مرة وآخر مرة أيضًا من الهيئة الإنجيلية القبطية لندوة في الغردقة، على ما أتذكر، وكانت المحاضرة الافتتاحية للأستاذ السيد يسين، وفيها تحدث عن العولمة حديثًا فياضًا حافلًا بالمعلومات التي تحتشد فيها عشرات الأسماء لمصادر ومراجع أجنبية ومؤلفين ومفكرين أعاجم.

وبدأت الأسئلة وحدث ما حدث، وهو ما لن أعيده لأن فيه ما فيه من كلام اعتبره المحاضر تزيدًا يستحق صاحبه السحق!.. والمهم أننا عدنا وكتب هو مقالًا في جريدة "القاهرة" يحكي فيه طرفًا مما حدث، ورددت في صحيفة "العربي"، واستمر الديالوج بالمقالات شديدة الالتهاب أسبوعين أو ثلاثة، وكانت القطيعة إلى أن شاءت الظروف أن أكتشف الوجه الآخر عند الأستاذ السيد يسين!

فبعيدًا عن الإصرار الدؤوب عنده للاطلاع على كل ما هو حديث، بل والأحدث في عالم الأفكار الاجتماعية والسياسية وفي دنيا المعلوماتية، وبعيدًا عن قدرته على القراءة وهضم ما يقرأ، ثم تقديمه للقارئ وللباحث العربيين ليصبح زادًا عقليًا مستساغًا، فإن الأستاذ السيد يسين تمتع بعين اجتماعية وثقافية ثاقبة تنفذ وراء الأشكال فتكتشف في اللاوقت الأصيل الثمين.. والمزيف البخس.. وتمتع بقدرة على الصياغة اللفظية المسكوبة في خطاب سلس متدفق لا لحن فيه في نحو أو صرف، وتتجلى فيه فنون الإلقاء من رفع وخفض ووقف!.. ناهيك عن أن كل ذلك مصبوب في بوتقة السمات المصرية التي لا تفلت القفشة ولا تتردد عن السخرية اللاذعة، وكل ذلك تحت سقف لم أشاهده متجاوزًا له في أية مرة التقيته أو استمعت إليه.. هو سقف احترام إنسانية الآخر والحفاظ على كرامته.

كان الأستاذ السيد يسين فيما بدا لي يبغض عديمي الموهبة، ويبغض أكثر منهم أنصاف الموهوبين، ولا يتردد عن تسخيف كلامهم مع الاحتراز من أن يسخف شخوصهم.. وكان لا يسكت إذا تجاوز أحد ما المقال المناسب للمقام، خاصة إذا كان واحدًا من تلاميذه ممن اقتربوا من السلطة وخاصة دائرة الحزب الوطني والرئاسة والوريث، وكان يدقق تدقيقًا صارمًا في الكلمات التي يرى أنها تجاوزت استهداف النظام والحكومة إلى الوطن والدولة.. وأخيرًا، وليس آخرًا لم يكن الرجل ذو القامة السامقة فكرًا وثقافة يتردد لحظة في أن تجده على الناحية الأخرى من سماعة الهاتف يقدم لك - إذا كنت كاتبًا - قراءته لما كتبت، مؤكدًا احترامه وتقديره لتبدو وكأنك أنت الأستاذ وهو المتلقي!

رحم الله الأستاذ المفكر المثقف المصري العروبي الحر السيد يسين.
                            

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 22 مارس 2017.