Wednesday, 5 July 2017

الكأس للجميع




نتمسك بالحياة لأننا عرفنا أن هناك موتًا.. وعرفنا طعم الموت لأنه يأخذ منا أعزاءً.. وأيضا أعداء في كل وقت.. فهو قد يشقينا وقد يسعدنا ونحن بعد ما زلنا على قيد الحياة.. وصحيح أن أمورًا كثيرة تبدأ صغيرة ثم تكبر، إلا مصيبة الموت- كما أسماها القرآن- تبدأ كبيرة ثم مع الزمن تصغر، وهذا من رحمة الله بعباده، وربما يجوز هنا أن نذهب إلى أنها تتحول من هول وصعوبة التعامل معها إلى القبول، وأيضا تتحول من مجرد مشاعر للهلع والأسى إلى مجال للتفكير العميق والتأمل الهادئ والتدبر الحكيم.. وأعتقد أنه ما من أحد إلا ومر بهذه الخبرة.. أي من الأطفال المميزين إلى الشيوخ المذهولين! وعن نفسي فقد عايشتها، وإذا اعتصرت ذاكرتي فسأجد أن أول إدراك للأمر كان في النصف الأول من الخمسينيات، إذ كنت في الخامسة أو السادسة من سني عمري التي استطالت الآن حتى تجاوزت السبعين بعام! إذ ما زلت أذكر السرادق "الصيوان" المقام أمام دوار العائلة فيما ينحر ثور صغير استعدادًا لأكل المعزين، والزحام من أجل سماع قراءة الشيخ الحصري، الذي ذهبوا لإحضاره من قريته شبرا النملة القريبة من طنطا.. وكانت المتوفاة هي خالتي السيدة!

مع الزمن هآنذا أجمع بين الأسى والحزن، وبين الأمل والتدبر، إذ رحل بعض من أصدقائي بوتيرة متلاحقة سريعة، وهم بدون ترتيب زمني للرحيل الشاعر سيد حجاب والمترجم المثقف طلعت الشايب والفنان جميل شفيق، والدكتور هشام صادق والدكتور إبراهيم أبو العيش والأستاذ عازر فرج والأستاذ سيد ياسين والدكتور عادل غنيم! وأرجو ألا أكون قد نسيت آخرين.. كل هؤلاء عرفتهم واقتربت منهم وصادقتهم، ولبعضهم جميل في عنقي لا أستنكف الحديث عنه والاعتراف به!

دفعة بأكملها خلال أقل من عام، سبقتها دفعات غيرها، كان الأصدقاء يذهبون فيها متلاحقين وكأنهم اتفقوا اتفاقًا غير مكتوب ولا حتى منطوق على الذهاب، ولعل الدفعة التي شملت أصدقائي سيد خميس ورءوف عياد وفوزي الهواري وجودة خليفة وحامد العويضي كانت من أكثر الدفعات تركًا للأثر في حياتي!

ثم إن الكتابة عن أصدقاء راحلين في مقال صحفي محدود الكلمات تبدو وكأنها تبرئة ذمة بالظهور بمظهر الوفاء للأصدقاء الراحلين، أي مجرد تذكرهم والترحم عليهم، فيما الأمر يستحق ما هو أكثر من ذلك، خاصة أن كل هؤلاء الراحلين- وبغير استثناء- له من رصيد العطاء والفعل ما يستحق أن يرصد ويتوقف عنده وتستخلص دروسه ومضامينه!

وعلى سبيل المثال فقط، رغم ما في ذلك من إجحاف بحق الآخرين، فإنني عرفت الدكتور إبراهيم أبو العيش عندما تقابلت معه لأول مرة منذ حوالي عقد من الزمن ونحن في طريقنا عبر المحيط إلى جامعة ييل في نيوهافن بأمريكا لندوة حول العلاقات الغربية- الإسلامية عقدتها كلية اللاهوت بتلك الجامعة بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، وخلال أيام الندوة تفاعلنا- أبو العيش وكاتب هذه السطور- حتى بتنا وكأننا التقينا منذ مدى طويل.. وتعمقت أواصر التواصل حتى بدأ الدكتور إبراهيم في إنشاء جامعة هليوبوليس وتناقشنا في ظاهرة تفشي المد الأصولي الديني المتطرف بين طلبة وخريجي الكليات العملية، وعلى أثر مناقشتنا فوجئت به يسعى إلى موافقة الجهات الرسمية على تدريسي مادة التاريخ والحضارة لطلاب جامعته في الكليات العملية، وكانت آنذاك هندسة وصيدلة وإدارة أعمال، وفوجئت أنه يدعوني لتدريس هذه المادة لطلاب تلك الكليات، وبالفعل قبلت المهمة وبدأت تدريس المادة تحت عنوان عريض هو السؤال: ماذا قدمت مصر للإنسانية عبر حقب تاريخها؟! وكان الرجل حريصًا على أن يحضر ومعه رئيس الجامعة وعمداء الكليات والأساتذة تلك المحاضرات، والمشاركة في الحوار من بعدها.. ولو أتيح لي أن أكتب تلك التجربة بتفاصيلها التي تضمنت في البداية عزوفًا وامتناعًا وامتعاضًا من غالبية الطلاب وتساؤلهم الاستنكاري عن ماذا سيستفيد طالب هندسة الطاقة البديلة أو الصيدلة الإكلينيكية من التاريخ لكانت التفاصيل فيما أظن شديدة الأهمية، لأنه ما إن مرت محاضرة والثانية حتى اهتم الطلاب بالحضور وبدأوا في التفاعل، حتى بعد أن قلت لهم إن الامتحان سيأتي من كتاب "فجر الضمير" الذي ألفه جيمس هنري برستد، وسيكون هناك سؤال قائم بذاته عن تاريخ الكنيسة المصرية ومساهمتها في مسيرة البشرية!

كنت أذهب إلى حيث يعيش صديقي إبراهيم أبو العيش في بيت بسيط أنيق يستقبل الضياء والهواء غير الملوث، ويأكل الطعام السهل غير المسرطن، وتعلو وجهه الابتسامة الهادئة فيما الصوت لا يعلو أبدًا، ومع ذلك أصابه ميكروب أمرضه ثم أرداه! وحقًا فقد عاش إبراهيم أبو العيش حياته كما أرادها ملحمة من العطاء المتجدد والإبداع المستدام.

ومن المؤكد أنني سأكتب عن بقية أصدقائي الذين ذكرت أسماء بعضهم في هذه السطور، إذ بدأت منذ زمن قصير بالكتابة عن أصدقاء سبقوا بالرحيل منهم كامل زهيري ومحمد عودة ومحمود السعدني وتريم عمران ومحمد حسنين هيكل، ولم أكتب رثاء بقدر ما حاولت أن أكتب مسيرة!
                               

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 5 يوليو 2017.