Tuesday, 18 July 2017

الطائف.. وعداس




عند غيرنا يقولون إن للصدفة دورًا في حركة الإنسان عبر الزمان وفي المكان، أي في التاريخ، وعند البعض - وأظنني منهم - فإنه الغيب الذي يعد الإيمان به قرينًا للإيمان بالله سبحانه وتعالى.. والغيب في اللغة خلاف الشهادة، وهو كل ما غاب عن الإنسان، وما حدث معي خلال الأسبوع الفائت هو أنني بغير عمد ولا تفكير ولا ترتيب ولا حتى نية، وجدت نفسي أستعد للسفر إلى الطائف!، حيث جاءت دعوة من هيئة السياحة في المملكة العربية السعودية، وقامت سفارة المملكة بتوجيهها وترتيب الإجراءات، ورغم أنني كنت قد حسمت أمر تلبية أية دعوة فيها شبهة زحام بالامتناع عن قبولها، إلا أن "الطائف" كانت كلمة السر، التي حوّلت الامتناع إلى قبول.

الدعوة لحضور "سوق عكاظ"، ذلك المهرجان الرسمي والشعبي، الذي تتسع فعالياته للشعر والفروسية، والفنون الشعبية، والحرف اليدوية والإبداع الأدبي والمسرحي، وفيه توزع جوائز على المتفوقين الفائزين في كل فرع.. وطبعًا فإن "سوق عكاظ"، غني هو والمجاز وذي المجنة وغيرهم عن التعريف، أما الطائف فهي في ذهني المكان المونع المزهر، طيب الطقس، الذي لجأ إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، لعله يجد فيه من يناصره أمام ظلم وجحود أهل مكة، فإذا به يجد غير ذلك، حيث تقول الوقائع الثابتة المحققة إن الطائف تشرفت بدخول رسول الله إليها مرتين، الأولى في أواخر شوال سنة عشر من النبوة، ومعه زيد بن حارثة فأقام بها شهرًا يدعو الله تعالى فلم يجبه أهل الطائف، بل أغروا به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط "بستان" عتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه، فرجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف، فعمد صلى الله عليه وسلم إلى ظل جبلة "شجرة" عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من السفهاء، فلما اطمأن قال عليه السلام: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أو إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي.."، إلى آخر الدعاء، فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحرك رحمهما - أي صلة القرابة - فدعوا غلامًا لهما مسيحيًا يُقال له عداس فقالا يا عداس خذ قطفًا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق واذهب به إلى ذلك الرجل، وقل له يأكل منه، ففعل عداس، فلما وضع رسول الله فيه يده قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم أكل فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول: من أي البلاد أنت؟ بعد أن سأله عن اسمه، فقال: أنا رجل نصراني من نينوى، فقال الرسول: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟! فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى، فقال الرسول: ذلك أخي كان نبيًا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله يقبل رأسه ويديه وقدميه وأسلم، فقال أحد ابني ربيعة للآخر: أما غلامك فأفسده عليك، فلما جاءهما قالا له: يا عداس مالك تُقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه، فقال يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه أحد إلا نبي.. فقالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك الرجل عن دينك فإن دينك خير من دينه.. ويقول ابن إسحق في سيرته: ثم انصرف رسول الله عنهم وبات ببطن نخلة وهو أحد واديين على بعد ليلة من مكة يقال لأحدهما نخلة الشامية، وللآخر نخلة اليمانية، فقرأ صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين فلما سمعوه قالوا: انصتوا فأنزل الله عز وجل: "وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا". (سورة الأحقاف آية 29).

وكانت المرة الثانية التي دخل فيها الرسول الطائف، بعد فتح مكة في شوال بعد أن فرغ من حنين، ووجدت نفسي غير متوقف عن التفكير في الطائف وعداس والبستان والدعاء وثقيف ودخولهم الإسلام، بعد أن تأخر فتح الطائف واستعصى حصنها على المسلمين آنذاك، خاصة أن عداس كان مسيحيًا من نينوى أي الموصل.. وأن عداس العبد المسيحي عرف أن ما في الأرض خير من هذا الرجل.. وعرف أنه نبي!!، ويا ويل من ينكرون على المسيحي إيمانه وبصيرته!

وذهبت وكان التيسير علامة الإذن، وكان المهرجان في أبهى صوره والأمان في تمامه باحتياطات شديدة، غير أن كل ما شاهدته، لم يصرف ذهني عما انتويت عليه، إذ تسللت بعيدًا عن الرسميات، وذهبت إلى السوق القديمة في الطائف، وساقني قدري الغيبي إلى سيارة أجرة يقودها عبد الله.. هكذا قال لي اسمه، وفتحت الكلام عن الرسول والطائف وعداس ورغبتي في معرفة أي شيء عن مكان البستان، فإذا بالرجل يرد وهو دامع العين - حقيقة لا مجازا - جئت من مصر لتحاول أن تعرف عن رحلة الرسول وعن عداس، وأخذ يصف لي المكان المنشود، وفي اليوم التالي تسللت ثانية هاربًا من فعاليات الدعوة، وتجهم أول سائق أجرة عندما سألته عن مسجد الكوع، ولم يعرف شيئًا عن عداس ولا البستان وأنزلني من فوره "إيش لنا في وجع الراس"!، ووقفت في الشمس القائظة، ورددت ما تعودت على ترديده، وتوقف "دبابة" - "سيارة نقل صغيرة فيها كابينة تتسع لراكب واحد مع السائق وتعمل مثل التوك توك - وسألته من فوري هل تعرف "مسجد الكوع"؟، ورد مبتسمًا: ابشر.. تريد زيارة مسجد الرسول وحائط عداس؟!! وركبت، وكان الرجل مدرسًا للكيمياء متقاعدًا يتلمس زيادة في الرزق فعمل سائقًا، واتجهنا إلى "المثناة" في وادي "وج"، ووصلنا إلى المسجد الذي يتواتر أن الرسول صلى الله عليه وسلم اتكأ فيه على كوعه، فسمي مسجد "الكوع"، وهو في سفح جبل بازلتي أسود شديد الصلابة والقسوة، وبجواره عين ماء مطمورة، محاطة بسواتر من طوب وأسمنت، ولن أصف بناء المسجد وسقفه بقدر ما أستأذن الغيب في الإفصاح عن جرعة الاطمئنان العميق، التي سكنت فؤادي وزال بها مرض الجسد، وكانت المرة الأولى التي أركع فيها وأسجد بعيدًا عن الكرسي، منذ عدة سنين، عندما صليت الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، وصليت وسلمت على النبي وآله، ودعوت لعداس المسيحي دعوات صادقة!!.. وعلى الناحية الأخرى من الطريق العريض "المثناة" في وادي "وج"، كان مسجد آخر باسم الإمام علي.. وكان البستان.. الحائط الذي لجأ إليه الرسول وجاءه منه عداس بقطف العنب.. وما زلت في عافية النفس والبدن، وكم وددت أن أستكمل حكاية الطائف وثقيف!
                           

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 18 يوليو 2017.