Thursday, 20 July 2017

عدو الجماهير!!




في مطلع الثمانينيات كنت قد تمكنت مع زوجتي من تدبير مبلغ لشراء شقة في مدينة نصر، بعد أن عملنا في دولة خليجية لأربع سنوات.. هي طبيبة وأنا صحفي، وأذكر الوفد رفيع المستوى الذي جاء معي لمقابلة صاحبة العمارات ومساعدها صبي الميكانيكي، الذي صار اسمه الباشمهندس، والذي أصبح بدوره مالكًا لعدة عمارات، وكانت السيدة التي اشتهرت باسم الحاجة، وسيدة أخرى، هما أباطرة شقق التمليك في مدينة نصر، ومصر الجديدة، قبل أن يظهر حوت مدينة نصر الشهير، وكان الجميع محترفين لمخالفة قوانين البناء.. سواء من حيث الارتفاعات أو نسبة مسطح البناء إلى مساحة القطعة، وكان أن أنجاني المولى وأسرتي من الموت خنقًا أو تكسيرًا تحت حطام عمارة هليوبوليس، التي انهارت أثناء زلزال 1992، وكانت الحاجة قد عرضت في البداية للوفد الرفيع، الذي جاء يتوسط لي أن آخذ شقة في عمارة "هللوبولوس"، هكذا كانت تنطق هليوبوليس، وكان السعر المعروض منها هو 85 ألف جنيه، فيما عمارة العقاد بـ 40 ألف جنيه!!.. هذا هو طرف خيط بسيط ورفيع لبداية استفحال الاستقواء على الدولة وقوانينها ومؤسساتها وسلطاتها، عندما حدث الالتقاء المحرم والمجرم بين نوع معين من الرأسمال العشوائي وبين الفاسدين في بعض الجهات الرسمية، لدرجة جعلت ابن تلك السيدة أثناء احتدام حوار بيننا حول فداحة مخالفاتهم في العقار يقول لي أمام الناس المحترمين: "قانون إيه يا أستاذ.. تحب أن أبني لك غدًا عمارة في قلب الجنينة التي في وسط عباس العقاد"؟!

منذ تلك الأيام الكالحة، مضى الذين يعمدون إلى الفتك بكل ما هو قانوني وشرعي في طريقهم، حتى صارت جرائم المخالفات في البناء أمرًا طبيعيًا مشروعًا، والاستثناء الذي يثير السخرية هو الالتزام بما يحدده القانون من ضوابط وشروط.. وما زلت أذكر يوم تطربقت عمارة ضخمة في عباس العقاد على رأس سكانها، وكانت تحتها سوق تجارية مزدحمة، عندما قال محافظ القاهرة على أيام الراحل الدكتور عبد الرحيم شحاتة إن كل مباني مدينة نصر قابلة للانهيار!!، إذ الأسمنت والحديد والمواصفات الضرورية للبناء كلها مغشوشة ومخالفة!.. ومن هناك مكانًا وزمانًا.. أي في الأحياء الراقية وفي حقبة الانفتاح وأوجها في الثمانينيات إلى هنا، أي الآن، حيث الاعتداء المرعب على أراضي الدولة وأملاكها، وعلى النهر وطرحه وحرمه، وعلى البحر وشواطئه نعيش جميعًا مأساة الانحطاط الحضاري والثقافي والسلوكي، التي لا يرتكبها الفقراء والجهلة فقط، وإنما عينات أخرى من الأثرياء الأغنياء المتعلمين المنتسبين إلى مستويات اجتماعية وربما وظيفية مرموقة!

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإنني قد أرتد بالذاكرة إلى ما قد يكون متأصلًا لأسباب عديدة في الجانب السلبي للشخصية المصرية.. فالذين من أصول فلاحية قروية – مثلي - يعرفون كيف يقدم كثيرون على أكل الطريق وتجريف جسور النيل والرياحات، والترع والقنوات، بل ولا يتورعون عن تجريف حواف منطقة المقابر، ولا عن سرقة مياه الري من الجار الذي يدير الماكينة أو الساقية وهلم جرا، مما سأفصل فيه في السطور المتبقية.. ذلك أن الطريق قد يكون بعرض عشرين مترًا، ثم ومع كل نهاية محصول وبداية محصول جديد يبدأ أصحاب الحقول المطلة على الطريق في حرثها أو عزقها وتقصيبها، تمهيدًا لتخطيطها وريها وزراعتها، وإذا بالفؤوس أو المحاريث تبدأ بالتهام عدة سنتيمترات من حافة الطريق، وسنة بعد أخرى تصير السنتيمترات أرباع أمتار، ثم أنصافًا، ويتحول الطريق من مساحة تتسع لجرارين متقابلين بالمرور إلى شريط ثعباني تمر فيه جاموسة أو حمار بالكاد!!.. والكل يبدأ مهمته بعد أن يصلي الفجر وقبل الشمس، أي قبل أن تصحو السلطة، ممثلة في الجمعية الزراعية والعمودية والخفر، وقبل أن تكثر الأرجل المارة في الطريق، ومنها أرجل أصحاب حقول بعيدة نسبيًا، ولكن هذا الطريق هو السبيل الوحيد إليها!.. وكثيرًا ما تحدث المشاكل والاشتباكات، ثم يتم وضع العلامات الحديدية التي تحدد نهر الطريق، ولكن ما أسهل عند كثيرين من متعة نقل "الرجمة"، التي كانت هي الحجر الصلد الذي يفصل بين الحقول، ويحدد بداية ونهاية ملكية كل جار.. ثم ما أسهل متعة سرقة مياه الري، إما من الدولة بفتح الأهوسة ليلًا ورشوة من يحرسونها، أو من الجيران، ويقوم السارق بثقب السد الطيني الذي يسد القناة المؤدية لحقله أثناء ري جاره، ويبدو السد الطيني قائمًا ولكن المياه تمر منه بسهولة خفية لا تلحظها العين مباشرة، اللهم إلا إذا نزل المتضرر إلى المجرى المائي ليكتشف الثقب.. ثم حدث ولا حرج أيضًا عن متعة سرقة "كيزان الذرة" الناضجة الجاهزة للشواء، واحتراف إخفاء السرقة بقطع عود الذرة حامل "الكوز" من جذوره وردم مكانه، وليس "ملخ الكوز"، وإبقاء العود قائمًا فيلحظ صاحب الحقل المنهوب الجريمة!.. ثم إنه إذا اشتد الشتاء وعز وجود الردم الجاف لوضعه تحت أقدام الماشية في الزرائب اتجه المفتري إلى المقابر التي عادة ما تقام منذ الزمن القديم على ربوة مرتفعة حتى لا تصلها مياه الفيضان، ويبدأ بفأسه، بتجريف حواف الربوة، حتى وإن تعثرت فأسه في عظام أسلافه!.. وكثيرًا غير ذلك من حالات الاعتداء على ملكية الغير، سواء كان الغير هو الدولة أو هو الناس!

عندئذ نحن أمام معادلة، طالما كتب فيها البعض، وهي أن القائد الجاد المحب لوطنه والحريص على الشعب، أحيانًا ما يكون في الجانب المعادي لما يريده الناس!! لأن الناس خلال فترات التردي والانحطاط السياسي والثقافي تتعود وتدمن، بل وتجيد ممارسة كل ما يعوق العمل المؤسسي وضوابط القانون، ومقومات التنمية الشاملة، ويكون الحل الفردي هو الطريق للخلاص الفردي، حتى وإن كان على حساب الآخرين وضد القانون والعرف، ويتم تحريف فهم العقيدة الدينية ليكون هذا الفهم المنحرف الضال هو الغطاء الأخلاقي للجريمة! فإذا حدث التحول وجاء من يتصدى لقيادة المجتمع نحو خلاصه الجمعي بشكل مؤسسي وعلمي صار حتمًا أن يكون عدوًا لما اعتاده الناس، ويبدأ المتصيدون بدغدغة أحط ما في النفس البشرية من عواطف، وهي عاطفة الخلاص الفردي على أنقاض الدولة والمجتمع الآخر بوجه عام.. أظن أن الرسالة وصلت.
                              

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 20 يوليو 2017.