Wednesday, 12 July 2017

لن نستسلم




مطلوب دخلاء على لحظات حياتنا، تكون مهمتهم الأساسية هي تجسيد البهجة لتعود ولو متسللة إلى واجهة واقعنا ولتتغلغل بعدها فيما وراء الواجهة، أي في ثنايا التكوين الاجتماعي والنفسي للناس.. فلعل وعسى تتحرك فينا ملكاتنا المصرية العريقة، وفي مقدمتها الابتسامة والنكتة والقفشة والسخرية وروح "اعقلها وتوكل".. يعني قم بواجبك وارض ضميرك وأحب وطنك واترك الباقي على الله.. عليه توكلنا وبه نستعين.

في المسارح والسيرك، هناك من يعمد إلى إدخال البهجة على الناس بالكوميديا الضاحكة الساخرة، وربما كان دخيلًا على اللحظة التي يؤدي فيها دوره، بمعنى أنه قد يكون معتصرًا في محنة وغارقًا في مأساة، ولكنه من أجل رسالته أو عمله أو مصدر رزقه أو كل هذا مجتمعًا يقتحم اللحظة ويشرح صدور الناس التي أتت لتبحث عن نقطة ضوء، تمنحهم الأمل في سعادة ولو مؤقتة!

إنها ليست دعوة لتزييف الوعي، ولا لدغدغة المشاعر، ولا لشغل الناس عن السعي لتغيير حقيقي في واقعهم، ولكنها دعوة لاستنهاض الهمة وتخفيف الألم وتجديد الطاقة، وتلك مهمة جسيمة لا يقوم بها إلا من لديه القدرة على تحمل ما لا يتحمله بشر!

مطلوب مدرسون ومدرسات في التعليم العام وأساتذة في التعليم الجامعي، يكلفون أنفسهم بالتعامل مع وجدان تلامذتهم مع عقولهم، ولا يكون لديهم أدنى حرج في أن يتباسطوا معهم في بداية الدرس، أو في وقت مقتطع أثناء الفسحة أو بين المحاضرات أو في رحلة.. مطلوب مدرسون ومدرسات وأساتذة يعترفون بالنشاط الطلابي، ويتولون بجدية ريادة اللجان النوعية، وريادة الأسر الجامعية، وحضور أنشطة الكشافة والجوالة والمباريات الرياضية وأنشطة التمثيل والموسيقى والرسم، وقد يتكبدون الجهد والوقت وبعض المال!

مطلوب موظفون، كبارًا وصغارًا، يفصلون بين تواضع دخلهم وصعوبة أوضاع الحياة، وبين دورهم في خدمة الناس الذين هم أهل هذا الوطن.. موظفون يعرفون أن الكلمة الطيبة صدقة وتبسمك في وجه أخيك صدقة، ويدركون أن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج خلقه، وجزاؤهم عند الله هو وحده الذي يوفيه.. ويعرفون أن نهوض أمتهم لن يحدث ما لم يقوموا هم بدورهم بأمانة وشرف وعطاء لا ينتظر من أحد جزاءً ولا شكورًا!

مطلوب أيضًا فنانون وصحفيون وكتاب ومفكرون، يدركون أن الكلمة التي هي أقوى من كل سلاح تعرف طريقها إلى هدفها، وهو إحياء الأمة على كل الأصعدة، فلا يستخدمون سلاح الدببة في خدمة النظام، لأن سلاح الدببة في هذه الحالة هو أن تؤدي الكلمة إلى نفور الخلق من شدة المداهنة، ومن المبالغة في تجاهل السلبيات باصطناع المبررات واختلاق الإيجابيات فيما النظام نفسه يعمل على قاعدة الشفافية والمصارحة والمكاشفة، واعتبار أن أكثر سبل الإصلاح نجاحًا ونجاعة هو الاعتراف بالأخطاء، وكشف السلبيات، لأن عدم اعتصار الصديد يؤدي إلى الموت.

فنانون وصحفيون وكتاب ومفكرون، يدركون أن رصاصة المقاومة تختلف عن رصاصة الاقتتال.. وأن التنشين على الهدف يجب ألا يغفل المسار الذي ستمضي فيه القذيفة، فربما وهي في سبيلها لاستهداف مسؤول أو مؤسسة تمر في جسد الوطن ونسيج الأمة فينزف الوطن وتتمزق الأمة، ويفلت من كان هو المستهدف!

ورغم ما قد يبدو في المثال التالي من تجاوز، إلا أنني وقد سبق وكتبت عنه أجده مناسبًا لدرجة أو أخرى في حالتنا هذه وهو الفرق بين الندابة وبين المهرج!!.. لأن كليهما يستدعيه الناس أو يذهبون إليه، الأول لتجسيد لحظة الحزن والألم، والثاني لتجسيد لحظة البهجة والأمل!

فمن أهل الكلمة على الورق وعلى المسرح وعلى شاشة التلفزيون والسينما وشاشة المحمول، من هو حريص دومًا على دور الندابة، التي من أجل إجادة عملها لا تتورع عن صبغ وجهها وشعرها بالنيلة والسواد، ولا تتردد عن نثر التراب على وجهها ورأسها وجسدها كله، ولا تمتنع عن التفنن في صك عبارات الندب والولولة، والتمادي في الارتفاع بنبرتها حتى لو تجاوزت سقف الكفر، من أجل حفز غدد الحزن والألم لمزيد منها عند أهل الفقيد!.. فيما الندابة قد اشترطت أجرها ونوع طعامها، واشتطت في شرطها، لأن لا أحد مثلها في مهمتها، وليس لديها أدنى إحساس بالحزن وبالألم.

وعلى العكس فإن المهرج الذي يبالغ في مسخ هيئته بصبغ وجهه بألوان زاهية مبهجة وبارتدائه ملابس مضحكة، وقيامه بحركات أشد إضحاكًا، خاصة للصغار المقبلين على الحياة، فإنه يسعى لبهجة الناس وزرع الأمل في نفوسهم، ولفت نظرهم إلى مضامين إنسانية عميقة بلغة ضاحكة ساخرة بسيطة، لأن ذلك قد يخفف ما به هو نفسه من محنة ومن حزن!

نحن في شوق للبهجة التي اغتالها فينا المجرمون الإرهابيون، الذين لم يكتفوا بأن نكون في محنة استشهاد أبنائنا من القوات المسلحة والشرطة والقضاء والمدنيين، بل عمدوا إلى اغتيال البهجة والفرحة والأمل، لنصبح أمة جدباء تمضغ الحصرم وتدمن العلقم.. ولا بد أن نقاوم!
                                   

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 13 يوليو 2017.