Thursday, 15 February 2018

الخيط بين عامر.. وعنان




ترددت كثيرًا في كتابة هذه السطور لأنني لا أميل إلى إعادة إنتاج ما كُتب عشرات المرات حول وقائع معينة في تاريخ مصر المعاصر، ولأنني ضد أن تُفتح الجروح التي نسعى لاندمالها بعد أن كادت تمزق نسيجنا الوطني، غير أن ذلك إذا أعاقنا عن استيعاب دروس التاريخ، جاز أن نتحدث في الأمر الذي ترددنا فيه، فإذا أضفنا أن ثمة ظروفًا طرأت على مسيرتنا في الأسابيع القليلة الفائتة تدفعنا دفعًا للتذكير بالدرس، فإن الأمر يتحول عندي من أنه جائز إلى أنه واجب.

وبداية فإن الاحترام كله لقرار سلطات التحقيق بحظر النشر في قضية سامي عنان، الذي أعلن في وقت سابق عزمه على الترشح، وما سأتناوله هنا لا يتصل من قريب أو من بعيد بالقضية ووقائعها وملابساتها، وكل ما يتصل بها، وإنما هو متصل بدرس تاريخي مهم وخطير أعاد تصرف عنان تذكيرنا به وحتم علينا قراءته مجددًا.

في سنة 1962 وبعد انفصال سوريا ومع كل المؤشرات والوقائع التي ربطت بين المشير عبد الحكيم عامر وبين ما حدث، خاصة ما كان يدور في مكتبه بدمشق، حاول جمال عبد الناصر أن يُصحح الأوضاع داخل الدولة ككل، وضمنها القوات المسلحة، واقترح مجلسًا رئاسيًا له اختصاصات واضحة وواسعة، ولكن عامر رفض واعتبر المساس بالوضع القائم آنذاك في علاقته هو بالجيش مرفوض، وفي الأول من ديسمبر 1962 كتب استقالة مسهبة لم يتطرق فيها إلى حقيقة ما ورائها من أسباب ذاتية محضة، وإنما أسهب في الكلام عن الديمقراطية السياسية وعن الاستبداد وغمز ولمز رئيس الجمهورية آنذاك وهو جمال عبد الناصر.. وأمام حرص الدولة ورئيسها على وحدة الصف وعلى سلامة بنيان وتماسك القوات المسلحة عاد المشير عامر، وتعطلت محاولات الإصلاح، واستمر الحال وتفاقم حتى كانت هزيمة 1967 والأحداث التي وصلت إلى أن يتجه عامر للضغط على عبد الناصر عبر مجموعة تصرفات كان منها استقطاب مجموعة من الضباط، والاستعانة بمدنيين مسلحين استدعوا من بلدته في محافظة المنيا، وكان لابد من الحسم الصارم، وتمت تصفية التمرد ووأد الفتنة بأقل الخسائر.. وفي تلك الفترة أعاد عامر توزيع استقالته القديمة المسهبة في الكلام عن الديمقراطية وأوضاع البلاد، وكان من وراء توزيعها هذه المرة السيدة زوجته المشهورة باسم برلنتي عبد الحميد!

وتشاء الصدف أنني بعد ذلك بسنين طويلة كنت في لندن، والتقيت أحد كبار الكتاب والصحفيين، وهو المرحوم أحمد عباس صالح، الذي تولى لفترة طويلة رئاسة تحرير مجلة "الكاتب"، التي كانت منبرًا للفكر القومي، وكان لصالح ميول سياسية بعثية، بل تردد أنه كان لفترة ما في الخمسينيات منضمًا لحزب "البعث"، وقريبًا جدًا من قيادة الحزب في العراق، وأثناء وجوده في لندن أيام حكم السادات تم تعيينه مستشارًا للسفارة العراقية بلندن، وتمتع بوضع وظيفي واقتصادي متميز.. وقد التقيته وفتحنا حديث الذكريات، وفوجئت به يبتسم ويؤكد أنه هو الذي كتب استقالة المشير عامر في 1962 وكان همزة الوصل بينهما ضابط اسمه محمد أبو نار، وأنه كبعثي لم يكن يحب عبد الناصر، ومن ثم ركز في الاستقالة على حكاية الديمقراطية والأوضاع السياسية وبقية الموال إياه، الذي هو أقرب لأسطوانة مشروخة تُصدر ضجيجها عند تشغيلها بين زمن وآخر!

ولا أبالغ إذا قلت إنني فور استماعي للنص الذي قرأه ذلك المعتزم للترشح في الرياسة تذكرت حكاية نص استقالة عامر، وتذكرت عباس صالح، وتوقفت بتفكيري طويلًا أمام ظاهرة انتهاز بعض المعارضين من أهل السياسة المدنيين الفرصة لعلاقة مع أحد المحسوبين على القوات المسلحة، وتحويله إلى بوق يردد ما يريدون دون أن يفطن الطرفان إلى خطورة هذا السلوك، وخطورة بث تلك المضامين، التي قد تبدو حقًا عند من لا يعرف خلفيات الأمور ولا أهدافها، ولكنها نموذج رهيب للباطل!

لقد فاحت رائحة بصمات الاثنين اللذين قال عنان إنه اختارهما ليعاوناه في نص بيانه، وهو طبق الأصل مما فعله أحمد عباس صالح، عندما استتر وراء عامر وجعل موقفه كبعثي مناهض لناصر ونظامه يبدو وكأنه موقف عامر، وكانت شبكة التمويه هي الديمقراطية والحرية والأوضاع الاقتصادية وخلافه!

نعم.. إن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن أحداثه قد تتشابه.. والعبرة بتعلم واستيعاب الدروس وعدم السماح بتكرار الخطايا والأخطاء.
                        

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 15 فبراير 2018.