Wednesday, 7 February 2018

مصر- السعودية.. والتناسب الطردي




ما لا يمكن الاختلاف عليه هو الحقيقة الجغرافية والتاريخية التي تفصح عن أن لمصر محيطًا مباشرًا كله من الأشقاء، باستثناء وحيد هو الدولة الصهيونية الاستيطانية العنصرية!

وما لا يمكن تجاهله- أيًا كان الانتماء الفكري والسياسي الذي يحكم رؤية أي مهتم بوطنه- هو وجود ارتباط قوي ومباشر بين أوضاع مصر ومحيطها والعلاقات بينهما تأثيرًا وتأثرًا، وأن هناك تداخلًا شديدًا لا يمكن فصمه ولا تجزئته بين أمن كل دولة في هذه المنظومة، لدرجة وصلت في كثير من المراحل لأن تكون المنطقة كلها ضمن دولة واحدة، كانت هي دولة الخلافة الإسلامية في مراحلها المتعاقبة، وحتى بعدما تشظت اتجهت التكوينات التي ورثها- خاصة في مصر- إلى الحفاظ على مشروعيتين، الأولى هي أمن مصر الذي تؤكد كل المعطيات القديمة والوسيطة والحديثة أنه كما قال قدامى المصريين يمتد من القرن الإفريقي إلى منابع دجلة والفرات، ومن ثم كان لا بد من حكم الشام مع مصر، والمشروعية الثانية هي الحفاظ على الحرمين الشريفين! اللذين يضمان- إلى جانب القداسة الدينية- قداسة الأمن أيضًا! من هنا لا يمكن لعاقل يحب وطنه أن يغض الطرف عن التطورات التي تحدث في المملكة العربية السعودية، وعن الرؤى التي تحكم أصحاب القرار فيها، حيث إن الذي يعول عليه في السياسة هو المعلن من سياسات واستراتيجيات.

وقبل أن أستطرد، أود أن أثمن دور السفير أحمد قطان، سفير خادم الحرمين الشريفين في مصر، وهو دور مهم تمكن صاحبه بخبرته الدبلوماسية وتكوينه الإنساني والثقافي، أن يرأب صدوعًا حدثت في مسار العلاقات، وأن يفتح نوافذ الحوار الحر الواضح مع قطاعات من النخبة المصرية السياسية والثقافية والإعلامية وأيضًا الاقتصادية، ليس لتنفيس أبخرة مكتومة وإنما للتواصل العميق وتأصيل الأفكار والآراء، وتوضيح ما قد يغمض على التفسير في بعض الحالات، وفي هذا السياق يأتي اللقاء الذي رتبه السفير ليشرح فيه أبعاد الوضع في بلاده ولم أتمكن من حضوره، غير أنني قرأت الورقة التي لخصت تلك الأبعاد، ومن خلالها توقفت عند عدة نقاط تبدأ برؤية المملكة للعلاقة مع مصر، حيث يقول الملك سلمان في عام 2015: "إن وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب حكومة وشعب جمهورية مصر العربية الشقيقة، وموقف المملكة تجاه مصر واستقرارها وأمنها ثابت لا يتغير، وأن ما يربط البلدين الشقيقين نموذج يحتذى به في العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك، وأن علاقة المملكة ومصر أكبر من أي محاولة لتعكيرها، فهي مميزة وراسخة بين البلدين الشقيقين".. ثم يعود الملك سلمان ليؤكد الأمر في إبريل 2016 بقوله: "إن القناعة الراسخة لدى الشعبين السعودي والمصري بأن بلدينا شقيقان مترابطان هي المرتكز الأساسي لعلاقاتنا على المستويات كافة، وقد أسهم أبناء مصر الشقيقة منذ عقود طويلة في مشاركتنا بالعمل والتنمية والبناء ولا يزال بلدهم الثاني هو المملكة العربية السعودية"!

وفي سياق ما أعتقد أنه أساسي لفهم رؤية المملكة لمرتكزات تطورها الداخلي بعد هذا الوضوح في رؤيتها للعلاقة مع مصر، نتوقف عند قول الملك سلمان منذ ثلاث سنوات: "سعينا متواصل نحو التنمية الشاملة المتكاملة والمتوازنة في مناطق المملكة كافة.. والعدالة لجميع المواطنين.. وإتاحة المجال لهم لتحقيق تطلعاتهم وأمانيهم المشروعة في إطار نظم الدولة وإجراءاتها.. وإن كل مواطن في بلادنا وكل جزء من أجزاء وطننا الغالي هو محل اهتمامي ورعايتي، فلا فرق بين مواطن وآخر، ولا بين منطقة وأخرى، وأتطلع إلى إسهام الجميع في خدمة الوطن".

ومن ناحيتي كمراقب يحاول فهم الأوضاع والتطورات فإنني قد أربط بقوة بين الإجراءات التي اتخذت وتتخذ ضد الفساد هناك، ولم تفلت حتى من هم من الأمراء، وبين ذلك التوجه الذي أوضحه الملك في السطور السابقة، خاصة الجملة التالية: "...إتاحة المجال لهم لتحقيق تطلعاتهم وأمانيهم المشروعة في إطار نظم الدولة وإجراءاتها... ولا فرق بين مواطن وآخر"!

وبعد ذلك فإن من يحرص على حاضر مصر ومستقبلها ودورها في محيطها، وهو دور ثبت أن تكامله مع أدوار أخرى والتنسيق بينها وصولًا إلى ما هو أرقى في علاقات الدول، أجدى وأكثر نفعًا لكل الأطراف من تقاطع الأدوار وصدامها؛ عليه- أي من يحرص- أن يرصد بدقة ما يحدث في المملكة العربية السعودية من تطورات وإنجازات، وما تسعى للوصول إليه من أهداف على المستويات الأمنية والاقتصادية والخدمية من تعليم وصحة وغيرها، وهو ما تضمنته رؤية 2030 التي يتبناها وينفذها ولي العهد، ولست بصدد سرد الإنجازات التي تمت ولكنني أستأذن في الإشارة إلى أن حكومة المملكة تواصل العمل للتنمية والتطوير بتنويع مصادر الدخل والتقليل من الاعتماد على الإيرادات النفطية وخلق فرص عمل للشباب في مشروعات عملاقة مثل نيوم والفيصلية والبحر الأحمر، وهنا أعيد التذكير بأن مشروع نيوم الذي يمتد إلى مصر والأردن يهدف في الأساس لتطوير قطاعات اقتصادية رئيسية مستقبلية، وسيرتكز على تسعة قطاعات هي: مستقبل الطاقة والمياه والتنقل والتقنيات الحيوية والغذاء... العلوم التقنية والرقمية.. والتصنيع المتطور.. والإعلام والإنتاج الإعلامي.. والترفيه.. والمعيشة كركيزة أساسية لباقي القطاعات.

إنني أدعو كل مهتم بحاضر مصر ومستقبلها، ومن صميم ذلك الحاضر والمستقبل دورها وعلاقتها بمحيطها، أن يتابع ما يحدث في المملكة، لأنني أعتقد أن التناسب طردي متعاظم في علاقة البلدين.
                              

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 7 فبراير 2018.