Wednesday, 28 February 2018

الشجرة الباكية





حرصت أن أزرع شجرتين في الحديقة الصغيرة التي لا تبدأ الاصطباحة ولا تكتمل إلا بعد أن أصبّح على نباتاتها بصوت مسموع، ثم أردد كلمات استقرت في وجداني منذ مدى زمني طويل، لأنها وحدها تجلب لي الطمأنينة بعد أن جربت العديد من العبارات، وبعدها أنده المدد للعدرا أم النور وأصلي وأسلم على النبي وآله! وإلى الآن أجدد المحاولة لزرع شجرة ثالثة ليتحقق بعض إشباع للحنين لطفولة وصبا وشباب مبكر.. مراحل متصلة عشتها مرتبطًا بجميزة سيدي منصور وجميزة ساقيتنا الكبيرة، وبصفصافة عقر القنطرة، الحوض الذي يقع فيها غيطنا، وبدقن الباشا أي اللبخ التي كانت تفوح رائحة زهرها الأصفر الناعم في نهاية حارتنا أمام دار آل عكاز!

وكنت أظن أن الصفصاف نبات مصري ومتوسطي فقط، إلى أن سافرت إلى الشمال ووجدته منتشرًا في العروض العليا الشمالية، شمال الولايات المتحدة، وفي كندا حيث الزمهرير الذي يهبط بالحرارة إلى عشرين وثلاثين تحت الصفر!

وللصفصاف عندنا في مصر نوعان، أحدهما أغصانه كثيفة ولا تتدلى، والثاني كثيفة أيضًا لكنها تتدلى، إلى أن تصل للسطح المجاور لمنبت الشجرة، والغالب أن يكون السطح ماء، ولذلك نسميها صفصافة شعر البنت! أما هناك في الشمال فيسمونها الشجرة الباكية.. وبالفعل فهي أقرب إلى مخلوق منكفئ الرأس متدلى الشعر فوق كل جسده، وكأنه يبكي ويصرخ!

وعندما بحثت عن "دقن الباشا"، وجدت من يُحضر لي شجرة نامية عالية أخرجت زهرها بعد شهور قليلة من غرسها، ولا أعرف كيف سأتصرف إذا أخذت اللبخ مداها في الضخامة والارتفاع، لأنها قد تتجاوز الثلاثين مترًا في الارتفاع، وقد تظلل دائرة يصل قطرها لمائة متر، فيما أنا حشرتها في مساحة ضيقة ملاصقة لبلكونة أرضية أو شكمة محدودة المساحة!

وحتى الآن لم أجد جميزة يافعة أستأنس بها، فربما تعيد أنسي بجميزة سيدي منصور صاحب الضريح غير معلوم تاريخ الإنشاء ولا تاريخ الدفن، ولجميزته سمة خاصة غير متكررة.. وهي سمة أسطورية ولكنها أسطورة واقعية محققة.. حيث التف فرع منها ليحيط بالثلث الأعلى من قبة الضريح، وهذا الفرع لا تسقط أوراقه في الخريف شأن بقية الجميز، بما فيها بقية أفرع تلك الشجرة، وكلما حاول أحد تختين ثمار ذلك الفرع لتكون ثمارًا صالحة للأكل لم يتمكن، إما بسقوطه من حالق لتنكسر ذراعه أو ساقه أو بسقوط الثمرة الصغيرة بمجرد ملامسة شفرة التختين لها.. ومعلوم أن ثمرة الجميز لا بد لكي تنضج ويعلو سكرها أن تجرح لينزل منها سائل أبيض لزج، وليتحول لون جانبي الجرح أو الفتحة إلى الأسود، ويصبح سكرها من الجلوكوز!

ولم تكن علاقتي بالجميز أنسًا كلها، لأن الرعب الحقيقي الذي يرتج منه الجسد ويتفصد عرقًا ويجف اللعاب ويتدفق الأدرينالين لتتضاعف قوة الساقين فيكون القفز الطويل بديلًا عن المشي السريع المهرول، والجري؛ ارتبط بالجميزة التي كانت تقبع داكنة اللون تزيد من سواد الليل سوادًا عند المنحنى الشديد الواقع في الثلث الأول من الطريق النازل قادمًا من الجسر الشرقي للترعة الكبيرة- ترعة الباجورية- القادمة من بر المنوفية مارة ببر الغربية، وبعدها بر كفر الشيخ!

ثم يتضاعف الرعب إذا ما ظهرت للعين المحدقة في ظلام الليل شواشي جميزة أبو العبد، حيث المقابر أو الطرب- الترب- المقامة على ربوة مرتفعة عن الطريق وتنبت فيها الحلفاء خشنة متطاولة قد تخللتها جحور للثعالب أو النمس، وفتحات أخرى ضيقة يرجح أنها مكامن للثعابين! وكانت جميزة أبو العبد وافرة الثمر الذي لا يجرؤ أحد على تختينه، فيبقى إلى أن يكبر حجمه ويصير "باطًا" يملأه من داخله هاموش أسود هو نتاج بيض الذباب المتكاثف في المقابر، وفي الصيف يفترش "الباط" الطريق، وحتى الحمير والدواب تعف عن التقاطه.. إذ كيف يأكله بشر أو يلتقطه حيوان وهو مليان من دم موتانا ورفاتهم! هكذا كنا وكان أهلنا وظللنا حتى الآن، نحرِّم جميز أو توت المقابر! وربما كان مشهد جذور تلك الأشجار ومعها جذور نبات الحلفاء- وقد اخترقت الأرض من تحت جدر المقابر ودخلت إلى جوف المقبرة وبعضها يلتف حول ما في الأكفان- هو المشهد الذي جعل التحريم مؤكدًا، وهنا أتذكر مشهدًا آخر رأيته في شمال الولايات المتحدة، حيث لا يدفن أهل البلاد الأصليون الذين درجت تسميتهم بالهنود الحمر موتاهم في مقابر مغلقة، إنما يسجونهم في قمم الجبال، لتأتي الطيور الجارحة لتأكل الرفات وتتكفل بقية الكائنات من خنافس وذباب ومخلوقات أخرى دقيقة بالباقي من الجثمان.. وقد تعلموا هذا الأمر من فلسفة الطبيعة، التي تؤكد اتصال دورة الحياة لأنهم يشاهدون أسماك السالمون وهي تأتي من المحيط عابرة آلاف الأميال لتضع بيوضها في الأنهار الصغيرة التي ولدت فيها، وبعد وضع البيض بالمليارات تموت الأمهات المنهكة وتقوم الذكور بالتلقيح وتمضي، وبعدها تأتي الطيور الجارحة لتأخذ الأسماك النافقة لتأكل منها فوق قمم الأشجار ويتساقط منها أجزاء من ذلك الطعام فيصل للتربة ويتحلل ويتحول لغذاء للشجر!

هنا أسألكم العفو والسماح، إذ بدأت من حديقة داري الصغيرة وتشعبت حتى وصلت لجبال الروكي وسييرا نيفادا.. وربما أحاول أن أواصل حكاية الصفصاف واللبخ والجميز في مقال مقبل!
                            
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 28 فبراير 2018.