Thursday, 8 February 2018

"كيرياليسون".. وصقل المعرفة




سهل في تدفق أفكاره وصياغاته حتى وهو ينسج على منوال بعض النصوص الدينية، ويطعم عباراته بحكم ومأثورات تراثية.. وممتنع حيث يستحيل أن تجد ثغرة لركاكة أو تهافت معنى أو لاصطناع معارك ومواقف.. وحيث يصعب اختزاله رغم إسهابه في الشرح والتأكيد والاقتباس المسند لمصادره ومراجعه!

ذلك هو نص حمدي رزق بوجه عام، وهو كتابه "كيرياليسون.. في محبة الأقباط" بوجه خاص! وهو صادر ككتاب ذهبي عن روزاليوسف 2018.

ونادرًا ما تجد كاتبًا يصدر كتابًا يحتوي بعضًا مما كتبه في مقالاته اليومية فتراه معنيًا بالبنيان المنهجي، الذي هو سمة الكتب البحثية العلمية، وتراه معنيًا بالتوثيق، أي نسبة المعلومة إلى مصدرها أو مرجعها حتى لا يختلط الرأي الذاتي بآراء آخرين، ولا يتداخل الاجتهاد مع النص.. سواء كان نصًا دينيًا من كتب مقدسة أو نصًا قانونيًا أو حتى نصًا يعود لجهة ما أو شخص بذاته! ومن هنا كان ثراء هوامش وملاحق كتاب حمدي رزق لا يقل عن ثراء المتن.

ورغم أن عنوان الكتاب ".. في محبة الأقباط"، ومقدمته يشيان بالانحياز مسبقًا لكل ما ومن هو مسيحي قبطي - لأن هناك مسلمًا قبطيًا – إلا أن متن الكتاب يقدم توضيحًا دقيقًا للمحبة التي هي في بعض مدلولاتها أن تنصر أخاك مظلومًا وظالمًا.. تنصره ظالمًا عندما توضح له ظلمه لغيره وربما لنفسه وترده إلى صحيح الإنسانية، ويقظة الضمير، وهذا ما فعله حمدي رزق في الجزء المعنون "فقه كراهية الأقباط"، والذي يبدأه بفقرة تقول: "نموذج فاضح لفقه كراهية الأقباط هي المعركة التي سميتها صحفيًا "الشيخ والقسيس"، وهي المعركة التي شغلت المجتمع المصري بأسره وبرهنت أن هناك فقهًا لكراهية ليس وقفًا على السلفيين والإخوان والتابعين، بل وضرب الفيروس أدمغة نفر من الأزهريين، الأمر الذي يستلزم توسيع زاوية وعدسة الرؤية، فوراء الأكمة ما وراءها والثعالب تكمن في الدغل والديابة لابدة في الذرة، والأمر جد خطير والبلاد تعوم على بحيرة من الطائفية ومياه الصرف الطائفي أكلت الأرض من تحت أقدامنا"! وفي هذا الفصل يقدم الكاتب رصدًا دقيقًا وتحليلًا وقراءة نقدية لما وقع فيه الدكتور سالم عبد الجليل من تنطع فقهي، عندما فسر إحدى آيات القرآن الكريم.

ولكن الكاتب يبرهن على دقة فهمه للمحبة، عندما يرصد ويحلل ما ذهب إليه الأب مكاري يونان كاهن الكنيسة المرقسية، وهو يرد على ما قاله سالم عبد الجليل، فجاء رده تخرصات باطلة عن الإسلام، وفي هذا كتب حمدي رزق: "لن أتطرق لمقولات الأب مكاري يونان.. لا حاجة لترديد مقولات بغيضة من قائلها تقتات عليها منابر عقورة تروم فتنة وقودها الناس والحجارة.. كفاني مسيحيون أجلاء مؤونة الرد على هرتلات الأب مكاري يونان بحق الإسلام.. نفروا إلى تخطئته ورفضوا تطاوله وتبرأوا من تقولاته.. طوبى للساعين إلى وأد الفتنة، لعن الله من أيقظها وعمل عليها، إنها من فعل شياطين الإنس الذين تخصصوا في إخراج الشياطين في ظلمة أنفسهم".

ثم إنه من الوارد أن يؤجل البعض أو يعزفوا عن قراءة كتاب، باعتبار أن بعض أو غالبية ما احتواه منشور لحمدي رزق من قبل في مقالاته، غير أن الأمر عندي وربما عند كل من يحرصون على وجود مرجع معتبر في هذا الجانب من جوانب حياتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية وأيضًا السياسية وعند كل من يحتاجون إلى توثيق في متناول أيديهم لعديد من النصوص أمر مختلف، لأن الكتاب وضع الكتابة الصحفية في سياق مكتمل منهجيًا وتحليليًا.

الكتاب يضم بعد المقدمة، التي تحمل عنوان الله محبة ثلاثة عشر عنوانًا أو فصلًا ولكل فصل هوامش شديدة الأهمية، ثم ملاحق الكتاب التي يهمني أن أشير إليها ولو بالاقتصار إلى عناوينها:

1 – نص موعظة السيد المسيح على الجبل
2 – خطبة الوداع التي ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في سنة 10 هجرية
3 – نص حوار البابا تواضروس مع حمدي رزق أكتوبر 2016
4 – ثبت بأسماء بباوات الإسكندرية ومدة جلوس كل منهم ابتداءً من مارمرقس الرسول 61 – 68 ميلادية إلى البابا تواضروس الثاني 2012 ميلادية إلى الآن، وهم 118 بطريركًا، كان لبعضهم ألقاب مميزة كلقب أبو الإصلاح للبابا كيرلس الرابع، ولقب رجل الصلاة للبابا كيرلس السادس، ولقب معلم المسكونة للبابا شنودة الثالث
5 – نص لائحة 1957: قرار رئيس الجمهورية لسنة 1957 باعتماد لائحة ترشيح وانتخاب بطريرك الأقباط الأرثوذكس
6 – نص العهدة العمرية
7 – نص الخط الهمايوني
8 – نص قانون رقم 80 لسنة 2016 بإصدار قانون بشأن تنظيم بناء وترميم الكنائس

وأعود لأوكد أن هوامش كل فصل فيها شروح وإسنادات بالغة الأهمية لكل من يريد صقل معرفته بأصول وفروع ومراحل علاقات المواطنة في مصر.

تحية للصديق الكاتب حمدي رزق.
                          

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 8 فبراير 2018.