Wednesday, 14 February 2018

جيش محارب ومجتمع مقاوم




تأتي هذه السطور متأخرة عن توقيت موضوعها، بحكم المدى الزمني الفاصل بين بداية عمليات "سيناء 2018" التي تقوم بها القوات المسلحة والشرطة، وبين الموعد الأسبوعي لهذا المقال، ولو أن الأمر بيدي لما ترددت أن أكتب عدة مرات في الأيام القليلة السابقة.. ولو كان الأمر باستطاعتي أيضا لسعيت لانعقاد مستمر لمجموعة من ورش العمل الصحفي والفكري، كي تمضي في سبيل متزامن يقدم مضمونا مختلفا عن المضامين التي أظنها أضحت مستهلكة وأقرب ما تكون إلى الأقراص الفوارة التي يتصاعد فورانها وتتكاثر فقاقيعها مجرد أن تلامس الماء، وما هي إلا دقائق أو ثوان ويزول الفوران وتختفي الفقاقيع، بل وربما يزول أيضا تأثير المادة الفعالة المذابة.. وهنا أعني تلك الأساليب الصحفية والإعلامية التي حولت ما يجري في سيناء والدلتا والصعيد والصحراء الغربية إلى مهرجان خطابي احتفالي، تتكرر فيه العبارات الرنانة نفسها، وبالطبع فليس لي أن أصادر الآخرين ولا أن ألومهم، إذ ربما يكون هذا هو أقصى ما في طاقتهم حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها!

المضمون الذي أنشده ليس اختراعا ولا اكتشافا ولكنه قد يدخل في نطاق "الصحيح المهجور"، لأنه سبق وأن ساد وطبق في فترات سابقة من تاريخ مصر إلى أن طغى عليه "الخطأ الشائع" وآل الحال إلى المنوال القائم الآن ومنذ زمن شبه طويل.. وهنا تكون الدعوة لإنتاج فكري وثقافي وسياسي يدفع لممارسات عملية ليتكافأ ذلك الإنتاج وتلك الممارسات مع ما تقوم به القوات المسلحة والشرطة على امتداد جبهات الفعل المقاتل شرقا وغربا وشمالا وجنوبا وعمقا، وهي الجبهات الخمس التي نواجه فيها الخطر الذي يمسك بخناقنا ويحاول طرحنا في قاع مستنقع الاقتتال والتخلف والتبعية.

كان ذلك الصحيح المهجور قائما وزاهيا ومثمرا في كل الأوقات التي كانت قواتنا المسلحة تقاتل فيها عدوا!.. وقد وعيت ذلك منذ أول وميض ناري شهدته عيناي باتجاه شمال مدينة دسوق التي كنا نعيش فيها عام 1956، وكان وميضا واسع المساحة يختلط فيه وهج الاحمرار مع الضوء، وتصحبه رعود المقاومات الأرضية وفرقعات الدانات .. ووقتها جاء الشباب اليافعون من أهلنا وجيراننا من مختلف القرى للانضمام للحرس الوطني وإذا أمكن الانخراط في "الديش"، حيث تتحول الجيم إلى دال في لهجة أهل ذلك الزمان والمكان!.. ثم كانت هزيمة 1967 وحرب الاستنزاف وصولا إلى نصر أكتوبر 1973، وكان السد العالي فعلا مقاتلا بطريقة أو أخرى مقترنا بتأميم القناة ومعركة 1956.

عشنا الصحيح ممثلا في أدب وفكر المقاومة، قصة ورواية وشعرا ومقالات وندوات وأبحاثا وورش عمل وموسيقى وغناء ورقصا شعبيا، ودوريات متخصصة وجادة ابتداء من مجلات الثقافة والمسرح، والفكر المعاصر والطليعة والكاتب والسياسة الدولية، وليس انتهاء بملاحق الفكر والأدب لصحف المساء والأهرام وصفحات الرأي في الصحف كلها! وعشنا الصحيح مع دوريات العمل المستمرة المتواصلة ليلا ونهارا في تحويل مجرى النهر وإتمام السد، فيما جاهين والأبنودي وغيرهما يكتبان والطويل والموجي وبليغ وغيرهم يلحنون والست وعبد الحليم وعبد الوهاب وشادية وفايدة كامل ونجاح سلام وغيرهم يغنون.. ومحود رضا يصمم وفريدة فهمي تقود فرقة رضا والعزبي يرفع المواويل، وعلى نسق فرقة رضا ظهرت فرق أخرى في عمق الريف المصري في البحيرة وبورسعيد والإسكندرية وللتحطيب في الصعيد!.. وعشنا الصحيح عندما أدى ذلك المناخ الفكري والثقافي والأدبي والفني إلى رأي عام شعبي يرفض من خلاله عتاة الهجامين والنشالين وقطاع الطريق ومشايخ المنسر ارتكاب أية جريمة جنائية.. وبالطبع لم يكن آنذاك أي مجال لفاسد أو مفسد أن يمارس الفساد، وإن حدث ففي أضيق نطاق وفي أغلفة من الكتمان المطلق وفي حدود الملاليم!

إن التغني والكلام الاحتفالي بما تقوم به قواتنا المسلحة أمر طيب ولا مجال للانتقاص منه، ومن المؤكد أنه لا يكفي ولا يقود إلى أية نقلات كيفية أو نوعية في الوجدان والسلوك الجمعي المصري، بما يتكافأ مع النقلات النوعية التي تحدث للقوات المسلحة.

إن أهمية العمل على إحداث نقلات نوعية في المجتمع ليصبح مجتمعا مقاوما بالفكر والثقافة والإنتاج لا تكمن فقط في مساندة الفعل المقاتل الذي تقوم به قواتنا المسلحة، ولكن تكمن أيضا في إنهاء حالة اللا توازن في الدولة ككل، لأن استدعاء القوات المسلحة لتؤدي دورا رئيسيا في الزراعة والصناعة والخدمات والمشاريع القومية العملاقة- وعلى النحو الذي يزايد عليه البعض من عديمي المفهومية- مرتبط بالنقلات النوعية التي حققتها القوات المسلحة في مهمتها الأساسية التي يثبت الآن وبقوة أنها لم تتخل عنها ولم تغير درجة أولويتها وأهميتها، ولو كان لدينا منظومة رأسمالية تتوفر فيها مواصفات الالتزام والانضباط في الأداء والإنجاز على أعلى مستوى تقني ووفق المعايير العالمية وبغير نزوع إلى الإفساد للاستفادة غير المشروعة لكان الحال مختلفا.

إنني أذهب إلى أن العودة لمجتمع مقاوم ليس بمعنى عسكرة المجتمع وتحويل الكل إلى قوات نظامية أو شبه نظامية، وإنما بمعنى الانضباط في أداء كل المهام، هي السبيل المثلى للتوازن والحيلولة دون وقوف الدولة على ساق واحدة.
                              

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 14 فبراير 2018.