Wednesday, 24 August 2016

خدم "عند".. وعاملون "مع"




تشتد حرب البراغيث على المصريين.. مؤسسات الدولة ومواطنيها، وإذا كانت المؤسسات تستطيع أن تحمي نفسها من آثار تلك الحرب، فإن المواطنين العزل يصيبهم مزيد من الضرر الرهيب، خاصة أنها حرب من نوع خاص، سلاحه هو المعلومة، ودماره يصيب العقل والوجدان والإرادة، وإن بقيت الأجساد والمباني سليمة!

وقبل أن أستطرد، فإن حكاية البراغيث- لمن لا يعرفونها ولم يعانوا منها في الطبيعة- تبدأ من أن البرغوث حشرة صغيرة، قد يتراوح حجمها بين سن الدبوس وبين ضعفي حجم رأسه، وهي طفيلية شرسة شرهة تتغذى على دماء فريستها التي قد تكون إنسانا أو حيوانا، وتلبد في ثنايا ملابس الإنسان وفراشه وأرضية وجدران مكان معيشته، خاصة إذا كانت طينية أو مليئة بالنتوءات والشقوق، وتتجه إلى الجلد قافزة بأرجلها الطويلة نسبيا- قياسا على حجمها- وتغرز خرطومها لتسحب الدماء، وتظل تسحب حتى تمتلئ ويبدأ الدم في الخروج من مؤخرتها ليرسم خطا دمويا متجلدا، وتثقل حركتها، وهي تتناسل بأعداد مخيفة، ولا حل معها سوى الإبادة بالمبيدات أو بالنار لحرق تجمعاتها في الشقوق، فالواحدة منها كفيلة بقض مضجع أي إنسان وحرمانه من النوم والراحة طوال ما هي سارحة في ملابسه وعلى جلده، كما أنها تثير قرف الناس منه، وابتعادهم عنه إذا ظهرت على هدومه!

حرب البراغيث التي نواجهها تتمم حرب الإرهاب التي تواجهنا، فما فشل ويفشل الإرهابيون فيه باستخدام الرصاص والديناميت وغيرهما تحاول البراغيث تحقيقه بالشائعة والمعلومة الناقصة والتحليل الملتوي والتقرير المغلوط وإثارة المعارك الجانبية، وتحويل الانتباه من الكلي الشامل إلى الجزئي المفتت، والضغط على مفاصل الضعف المتخلفة عن فترة الانحطاط الطويل التي بلغت ذروتها بحكم مبارك وبطانته، وبدق الأسافين بين فئات المجتمع، وبين المجتمع والحكم، وداخل مؤسسات الحكم نفسها.. وهلم جرا.

ولقد وصل تأثير حرب البراغيث إلى من يفترض أنهم محصنون ضدها، وأعني بهم الذين لديهم القدرة على الفهم وفرز المعلومات وإدراك الأبعاد المختلفة للواقع، وأزعم أن العبد لله- كاتب هذه السطور- منهم، حيث يصلح هذا العبد لله حالة دراسة تمثل ما قد يصيب القوى الحية التي ساهمت لسنين طويلة في مقاومة الاستبداد والفساد، وتوجت جهدها بالمشاركة في ثورتي يناير ويونيو، ونذرت ما تملك من طاقة فكرية وثقافية وقدرات سياسية وإعلامية للوقوف في الصف الوطني المقاوم للإرهاب وللتخلف والانتهازية والاستغلال، وأعني بالإصابة الخلل في تدفق المعلومات الصحيحة، وتمزق الأربطة الواصلة بين رموز وأعضاء هذه القوى الحية، ثم تعطل "كابلات"- إذا جاز استخدام المصطلح- الاتصال بين هذه القوى الحية وبين المركز الأول، وهو الرئيس السيسي، الذي وإن كان لا يتوانى في توضيح كل جوانب الصورة ولا يكل ولا يمل من العمل الدءوب المتفاني في خدمة وطنه إلا أنني أذهب إلى أن هناك منطقة لا تزال مكشوفة، هي التواصل أو "التدفئة المتبادلة" بين الرئاسة وبين المخلصين للعمل الوطني دون أن ينتظروا جزاء ولا شكورا ولا موقعا ولا منصبا ولا مغنما.. وإنما ينتظرون المساهمة الفعلية في فرق العمل التي يجب أن تنتشر في كل ربوع المحروسة ويكون "تمامها" عند الرئيس مباشرة!

وفي هذا السياق، فإن هناك فرقا بين الخدمة عند المؤسسة وبين العمل معها.. والمؤسسة هنا كناية عن الرئاسة، لأن من يخدم "عند" يمكن أن ينتقل من بلاط إلى بلاط ومن صاحب عمل إلى آخر، ومن مائدة إلى "ترابيزة"، دون أن يرف له جفن، ودون أن يشعر بأي وخز في ضميره أو جسده، لأنه يؤدي المهمة وعينه على قوائم الكرسي وليس على الجالس عليه، أما من يعمل "مع" فهو منطلق من أرضية القناعة، ومن معنى ومضمون "الشراكة"، ويقبل بدفع الثمن أيا كان حجمه، ويتحمل الخسارة حتى إن أصابته في مقتل، ويعف عن التربح، وقد يكون الربح الوحيد له هو خدمة الفكرة والمبدأ اللذين يؤمن بهما ويتيقن أنهما في صالح الوطن!

ذلك كلام من المؤكد أنه سيثير الجهتين، جهة من يؤمنون بالخدمة "عند" أيا كان هذا الـ"عند"، وجهة المتربصين من جبهة البراغيث، وسيقال في أبسط الأحوال إنه طلب على "عرضحال تمغة" للالتحاق بالركب الرئاسي، وأيا كان ما سيقال فإن صحيفة سوابق "حالة الدراسة" تؤكد أنها لم تعمل لحظة واحدة "عند"، ولم تتورع ثانية عن دفع الثمن وتحمل الخسارة التي وصلت لحظة ما إلى السجن والتشرد وقضاء الليل بافتراش نجيل الحدائق العامة وتلحف الخيمة الزرقاء!

وفيما أعتقد جاء حوار الرئيس السيسي مع رؤساء تحرير الصحف القومية ليمثل جزءا مهما من مواجهة حرب البراغيث سواء بالمعلومات الوفيرة عن جوانب كثيرة، أو بالكشف عن انحيازات الرجل الاجتماعية والوطنية، وبتعرية أبعاد الحملة المضادة– حرب البراغيث– التي تتعمد تشويه كل ما يتم إنجازه والتشكيك في كل شيء، حتى النوايا والتوجهات المستقبلية!

وفي ظني واعتقادي اليقيني أن المواجهة لا يمكن أن تستمر بهذه الطريقة.. بمعنى ترك البراغيث تواصل حربها في كل ثانية، وبغير توقف، فيما نحن على الجانب الآخر ننتظر حديثا أو حوارا رئاسيا، ونظل مشدودين مرهقين بغياب المعلومة الفورية وبتقطع كابلات الاتصال، وتمزق أربطة التواصل بين مواقعنا! وكأننا لا تكفينا المعاناة من أن تختلط المقامات بين من يخدمون "عند" وبين من يعملون "مع"!
ولله سبحانه وتعالى الأمر من قبل ومن بعد.
                            
نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 25 أغسطس 2016.