Wednesday, 31 August 2016

السيسي وأبواب التاريخ




سرحت فكأنما تحول ما قرأته في صفحات المصادر والمراجع التاريخية إلى واقع، يكاد يكون صورة طبق الأصل مما جرى في حقب غابرة.. إذ سقطت بغداد والبصرة والكوفة وكل عراق العرب.. وسقطت دمشق وحلب وحماة وحمص وكل بلاد الشام، ومن قبل سقطت فلسطين وامتد السقوط إلى المغرب الكبير، حيث سقطت برقة وفزان وطرابلس وكل ليبيا.. وأضحت بقية البلاد الناطقة بالعربية مهددة بالوباء نفسه، وفي هذا لا فرق بين أن كان السقوط من قبل بما فيه من دمار وهلاك وخراب وقتل وتشريد على يد التتار والمغول، وبين أن يكون الآن على يد الأمريكان وحلفائهم والصهاينة، ثم بالإرهاب من داعش والنصرة والقاعدة والإخوان والسلفيين! ارجعوا إلى مصادر ومراجع تلك الفترات التي اكتسح فيها الإعصار الدموي المرعب العراق والشام، حتى طرق أبواب مصر، وتصفحوا الصحف الآن، وتذكروا ما شاهدتموه وتشاهدونه على شاشات التليفزيون، وسوف لن تفاجأوا إذا ما كان الأمر صورة كربونية بلغة العواجيز أو كوبي بست بلغة هذه الأيام!

حتى الآن لا جديد في الكلام إذ يبدو وكأنه امتداد وتكرار لما يتردد حول "لا بدية" أن نُقبل أيدينا ظاهرًا وباطنًا، ونرفع أعيننا للسماء شاكرين أن حمى الله مصر وصانها من أن تواجه المصير نفسه، وأن جيش مصر وقيادة السيسي هم من تصدوا، ولولاهم لكنا جميعًا في خبر كان.. وبالفعل لا جديد عندي سوى استكمال التذكير ببقية الصفحة القديمة فلعل فيها ما يفيدنا ويفيد من تصدوا للطوفان.. أي قواتنا المسلحة وقيادتها!

بقية الصفحة القديمة أستقيها من المراجع المعتمدة على مصادر موثقة، ومنها كتاب بعنوان "في مصر الإسلامية"، أعيد إصداره عام 2015 عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب"، وعلى غلاف أنيق الإخراج مكتوب: "أخرجه د. زكي محمد حسن والملازم أول عبد الرحمن زكي، واشترك في الكتابة فيه جاستون فييت ومحمود أحمد ويونس مهران وإسماعيل أبو العينين"، والمفرح أن الكتاب الذي كتب قبل ما يزيد على قرن من الزمن كان بمبادرة من صحيفة "المقتطف"، وصاحبها الأستاذ فؤاد صروف، أي أنه جهد واهتمام شعبي من خارج دائرة الحكومة آنذاك، وأن الذين ساهموا في كتابته هم مجموعة من المتخصصين في التاريخ الإسلامي، وتاريخ العصور الوسطى، وكلهم متطوعون للكتابة.. لذا يكون من المحزن ألا تتصدى صحفنا التي تهدر المليارات لمثل هذا الجهد البناء.

في الفصل المعنون "عواصم مصر الإسلامية" كتب الملازم أول عبد الرحمن زكي عن الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة.. ثم وصل إلى القاهرة التي عرفها المؤرخ الأشهر صاحب الخطط "المقريزي 766 هجرية - 845 هجرية"، فيقول إنها "صارت قلب الديار ومركز تجارتها ومبعث ثقافتها ومنارة دينها".. ثم يؤكد الحقيقة التاريخية التي تطمئن فؤاد كل من يهتم بالتاريخ ليعرف الحاضر ويستشرف المستقبل، وهي حقيقة أن مصر عرفت وجربت المصائب والمحن، ولم يحدث أن سقطت فيها للأبد، وإنما ما تلبث أن تنهض.. فالمقريزي شاهد مرحلتين مهمتين في تطور القاهرة، كانت المرحلة الأولى لما ارتدت القاهرة ثوب حياتها الجديدة عقب ما أصابها من وباء عاث فيها في عهد الملك الناصر، فكانت من أروع محن مصر، والمرحلة الثانية في أوائل القرن التاسع عشر، بعدما منيت به من المصائب الثلاث: الوباء والغلاء وهبوط النيل، ثم عادت لتسترد مكانتها.. ففي عصر قايتباي امتلأت القاهرة بمجموعة رائعة من منشآته السامية، التي تمثل خير تمثيل العمارة المملوكية، ومنها جامع تمرز وجامع أزبك وقصر يشبك ومدرسة قايتباي وضريحه ووكالته بالأزهر وسبيله، ووكالته بباب النصر، والثانية بالسروجية وقبة الفداوية ومدرسة الروضة.

ثم أدعوكم لما أردت فعلاً الوقوف أمامه وتمثله لنتدبره في مرحلتنا المعاصرة الآن، حيث يقتبس الملازم أول عبد الرحمن زكي فقرة طويلة نسبيًا من كتاب عبد الرحمن الرافعي، وأستأذنكم أن أنقلها أيضًا لأنني أعتقد أن استكمال العظمة التي ارتبطت بإنقاذ مصر من طوفان مغول وتتار العصر الحالي، أي التخطيط الأمريكي والتربص الصهيوني، والتنفيذ الهمجي على يد جماعات الإرهاب الزاعم أن مرجعيته دينية إسلامية يتم بتعظيم متعمد ومخطط للثقافة من الآداب والفنون.. وللديمقراطية الحقة غير المصطنعة وللتماسك الاجتماعي حول الدولة وحول هدف وطني جامع شامل.. وبغير ذلك يبقى الأمر ناقصًا غير مكتمل.. يقول عبدالرحمن الرافعي: ".. إلى السلاطين البحرية والبرجية والشراكسة يرجع الفضل في إنقاذ الآداب العربية من غزوات المغول التي كادت تقضي على العلوم والآداب العربية في الشرق كله.. فكانت مصر ملجأ للناطقين بالضاد ممن فروا أمام التتار في العراق وفارس وسوريا وخوراسان، وبقيت لغة حكومتها عربية في عهد تلك الدولتين - البحرية والبرجية والشراكسة - واستظلت العلوم والآداب العربية بحماية الملوك والسلاطين في مصر ونبغ فيها طائفة من فطاحل الشعراء والأدباء والعلماء كالبوصيري صاحب البردة والسراج الوراق، وابن نباتة المصري، والقلقشندي صاحب صبح الأعشى، والأبشيهي صاحب المستطرف، وابن منظور صاحب لسان العرب، وابن هشام النحوي العظيم، وابن عبدالظاهر، والقسطلاني المحدث المشهور، وشمس الدين السخاوي صاحب الضوء اللامع، وابن خلكان المؤرخ المشهور صاحب وفيات الأعيان، والصفدي صاحب الوافي، وابن حجر المؤرخ إمام الحفاظ والمحدثين في زمانه، والعيني المؤرخ والمحدث، وابن وصيف شاه وابن دقماق، والمقريزي صاحب الخطط، والمكين ابن العميد أبو الفداء صاحب تقويم البلدان، والذهبي والنويري صاحب نهاية الأرب، وابن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، وابن عقيل وابن تغري بردي صاحب النجوم الزاهرة، وجلال الدين السيوطي، والدميري صاحب حياة الحيوان، وابن إياس المؤرخ الذي أدرك الفتح العثماني، وقد استضافت مصر في ذلك العصر جماعة من أئمة العلوم والفلسفة في الشرق كابن تيمية وابن القيم الجوزية وابن خلدون".

ثم كانت انعطافة الهبوط والتراجع بالغزو التركي العثماني لمصر إذ "فقدت القاهرة أهم عنصرين في حياتها: مكانتها وسكانها، فقد نزلت عن عرشها مضطرة للآستانة متنازلة عن مقامها الروحي، وفقدت أيضًا شأنها التجاري ولم تعد في أيام الأتراك أكثر من مدينة قديمة ذات آثار وذكريات، واستمر مركز القاهرة ثانويًا حتى ولي الأمر في مصر محمد علي، فأعاد لها مكانًا خليقًا بها وأعاد إليها المجد القديم".. انتهى الاقتباس.

على ذلك، ولذلك أوجه نداءً إلى قيادة مصر وإلى حكومتها أن أعلنوا أن مصر المحروسة تفتح أحضانها لكل الأدباء والفنانين والعلماء والمثقفين من أبناء العراق والشام وفلسطين وليبيا، وكل مكان عربي دمره مغول العصر وتتره.. ولن يكون الأمر جادًا وفاعلاً ما لم تزدهر ثقافة مصر.. آدابها وفنونها وإبداعاتها.. عندئذ يدخل عبدالفتاح السيسي وجيش مصر من كل أبواب التاريخ، وليس فقط أبواب إنقاذ الدولة ومواجهة الإرهاب.
                         
نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 1 سبتمبر 2016.