Tuesday, 20 September 2016

مليون ونصف مليون أرمني




من المؤكد أن الخطأ لا يبرر الخطأ، كما أن الجريمة لا تسوغ جرائم، وأذكر أن حوارًا ساخنًا نشب بين الراحل المتميز الصديق الدكتور أحمد عبد الله رزة وبيني إثر الهجوم على معبد يهودي، في إحدى عواصم أوروبا أثناء الصلاة، التي يشارك فيها أطفال يهود، وهل يسوغ إجرام الصهاينة وقتلهم للفلسطينيين بمن فيهم الأطفال داخل دور العبادة أو في المدارس والشوارع، وقبلها قتلهم لأطفال مصر في مذبحة بحر البقر أن يتوجه السلاح المضاد فلسطينيًا كان أو غير فلسطيني إلى الصهاينة واليهود حتى لو كانوا أطفالاً؟!

كان الحوار ساخنًا، لأن من يذهب لرفض هذا السلوك يجد أسبابًا جوهرية ومنطقية تسند مذهبه، ومن يذهب إلى العكس - أي يؤيد قتلهم - يجد أيضًا ما يدعم مذهبه.. وعادة فإن الإنسان تحت وطأة الألم والإحساس بالظلم والعجز قد يبالغ في مشاعره، لدرجة أنه قد يتمسك وبعنف بأن يشرب الخصم من الكأس نفسها التي أجبر غيره على الشرب منها!

كنت أتصفح كتابًا وجدته على مكتبي، وسألت عمن اشتراه فقيل لي إنه هدية من جمعية القاهرة الخيرية الأرمنية العامة بالقاهرة.. وبالحق فإنه ليس كتابًا عاديًا بل هو من حيث الشكل متوازي مستطيلات، يرتفع عن سطح المكتب سبعة سنتيمترات، ويبلغ عدد صفحاته من القطع 34 سم× 17 سم 1372 صفحة، وكل صفحة مكتظة بسطور متراصة وببنط صغير.. يعني نحن أمام عدة مجلدات انتظمت في غلاف واحد، عنوانه "إبادة الأرمن"، تأليف الدكتور "ريمون كيفوركيان"، الذي عرفه صاحب تقديم الكتاب "برج ترزيان"، الرئيس الفخري للجمعية فقال: "الدكتور ريمون كيفوركيان" حاصل على درجة الدكتوراه في جامعة السوربون paris iv 4 عام 1980 وهو مؤرخ درس في المعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية بجامعة باريس 8 وإلى جانب ذلك شغل منصب مدير الأبحاث في نفس المعهد، كما شغل منصب أمين عام مكتبة نوباريان، التابعة للاتحاد الخيري الأرمني العام في باريس، وسرد رئيس الجمعية المواقع القيادية والمؤلفات التي تولاها وكتبها المؤلف، وهي جميعها مرموقة.

أما موضوع الكتاب فهو عن "الإبادة الجماعية للأرمن التي اقترفتها حكومة تركيا العثمانية، خلال الحرب العالمية الأولى، أي منذ مائة عام وبلغ عدد ضحاياها مليونًا ونصف مليون أرمني، وكان الدافع الأساسي للإبادة الجماعية هو رغبة قيادات حزب الاتحاد والترقي، التي كانت تستبد بحكم تركيا العثمانية بناء دولة قومية تركية، تستبعد من كيانها الأقليات العرقية غير التركية، وتحقيقًا لهذا الغرض بادرت قيادات حزب الاتحاد والترقي بتنفيذ سياسة ممنهجة للإبادة، واقتادت الأرمن في قوافل موت من وطنهم التاريخي إلى صحاري سوريا وبلاد الرافدين، علاوة على تجريدهم من أملاكهم وأموالهم الثابتة والمنقولة.

أما الناشر للكتاب فهو جمعية القاهرة الأرمنية العامة، التي تأسست في الأصل بالقاهرة عام 1910 كفرع للاتحاد الأرمني الخيري العام، الذي أسسه عام 1906 بالقاهرة بوغوص نوبار باشا، نجل نوبار باشا نوباريان أول رئيس وزراء لمصر 1878-1879.. وتعمل الجمعية في مجالات التعليم والمساعدات الاجتماعية المختلفة في نطاق الطائفة الأرمنية بمصر، وتقوم أيضًا بنشاط ثقافي لإحياء التراث الأرمني من خلال نشر الكتب والنشرات وتنظيم الندوات والمعارض الفنية".. هذا ما اقتبسته من مقدمة رئيس الجمعية، وقد رأيت ضرورة نشره في هذا المقال لأنني واثق أن المعلومات المتوافرة للناس بل وللنخبة أيضًا عن الأرمن وعن المذبحة وعن نشاط الجمعية تكاد تكون معدومة.

ولقد لفت نظري مدى ما اتسم به مؤلف الكتاب من إصرار على محاولة الموضوعية في رصده وتحليله، فقد استطاع حشد ما لا حصر له من المعلومات الموثقة، أما منهجه فهو متميز وجديد إذ لم يفصل العلاقة الجدلية بين المعتدي والمعتدى عليه وهنا يكتب: ".. وقد حاولت في المقام الأول استنطاق الآليات المؤسسية والسياسية والاجتماعية وحتى النفسية، التي بلغت ذروتها في القضاء على الأرمن العثمانيين على وجه الخصوص، سعيت إلى تحديد المراحل المتعاقبة من أصولية دوائر الاتحاد والترقي، وقد أوليت عناية خاصة لعمليات صناعة القرار التي هي ظواهر معقدة إن كانت هناك ثمة ظاهرة بهذا الاسم... هنا - والكلام لا يزال للمؤلف - أضع الجدل حول الأفكار داخل نخبة الاتحاد والترقي وتشكيل أيديولوجية الاتحاد والترقي، ثم ما أعقب من تحول هذه الأيديولوجية إلى الأصولية، أضع هذا الجدل مقابل التطور الموازي للقومية التي عززتها الحركات الثورية الأرمنية تلك النخب سواء عندما كانت معارضة لنظام السلطان عبد الحميد، وفيما بعد عندما أصبحت على رأس الدولة كانوا يناقشون بلا توقف مصير مجتمعهم المشترك، وقد حاولت أن أضع ذلك في الحسبان وأوليت اهتمامًا خاصًا للتشابه المزعج بين النخب الأرمنية وجمعية الاتحاد والترقي، فقد كان كلا الجانبين يرون أنفسهم حاملين لمهمة "مقدسة"، هي إنقاذ "الأمة" وبناء عليه فإن الدراسة الحالية تتحرك جيئة وذهابًا بين اختبارات تطبيقات كل من الجانبين".

والكتاب الذي تجاوز الألف وثلاثمائة صفحة هو من ترجمة الأستاذة سحر توفيق التي صار القارئ يبحث عن إنتاجها المؤلف المترجم، كما يبحث الباحثون عن الزئبق الأحمر، فتحية لها على هذا الجهد الجبار، خاصة أن المرء لا يلحظ انفلات خيط الجدية والتدقيق في ترجمتها، رغم الطول المفرط للنص.. حيث يقع الكتاب في ستة أقسام وخاتمة، وتتوزع الأقسام إلى ما يقرب من ستين فصلاً، وهناك ثبت بالمصادر والمراجع والوثائق إضافة لفهارس مفصلة.

والمتأمل في مذبحة الأرمن، حيث استشهد على يد الأتراك نحو مليون ونصف مليون إنسان يتذكر المآثر - إذا جاز التهكم - العثمانية التركية على مر الأحداث، ذلك أنني شاهدت بعيني فيما كنت في رحلة برية من شمال اليونان "سالونيك" إلى يوغوسلافيا الاتحادية القديمة قبل أن تنفرط إلى دول، وكانت الرحلة بهدف إلقاء سلسلة محاضرات شاركني فيها الصديق الدكتور علي فتال السوري الوحدوي، وقد سبق أن أشرت لما جرى في تلك الرحلة، إلا أنني أتوقف عند الذي شاهدته في مناطق البوسنة والهرسك ابتداءً من البساطة، ولن أقول التخلف السائد بين المسلمين هناك، وإلى ما كانت رؤيته مروعة، حيث قامت عدة جدران في كنائس وقلاع قديمة من مداميك كلها من جماجم الصرب، وليتهم غطوا الجماجم بالمونة "الملاط"، ولكن تركوها واضحة بتجاويف مآقي العيون وبالأسنان المرصوصة بدون شفاه!، وبعد الرحلة بسنين أدركت لماذا كان الصرب بتلك الضراوة في محاربة البوسنيين، وعندها أيضًا تذكرت الرواية الفذة التي كتبها إيفو أندرتش بعنوان "جسر على نهر درينا"، وترجمها الرائع الجليل سامي الدروبي وفيها رصد لأحداث الفزع المروع الذي انتاب سكان المنطقة من سلوكيات السفاحين الأتراك الغزاة، وكيف أن الأحجار على النهر بكت من مشهد إعدام قائد المقاومة الصربية بخوزقته على خازوق تركي!

ثم يستدعي المرء الغزو العثماني للشام ومصر، ورغم أن المجازر لم توثق بالتفاصيل الدقيقة كما وقعت مع الأرمن ومن قبلهم الصرب، إلا أن الذهن البشري قادر على ملء "فراغات النص"، إذا كان ما هو معلوم منه كافيًا لتوقع ما حذف أو سقط.

إن لنا أن نتخيل فقط حجم الضحايا في الأوقات التي قرر الغزاة القادمون مع سليم الأول أن يجرفوا الشام ومصر من طوائف الحرف، خاصة الأسطوات والمعلمين والعمال المهرة وبالألوف.. يعني بنائين ونجارين وحدادين وخيامية وسروجية ونحاسين وصياغا - أهل الصاغة - وجزمجية وخياطين وبيطرية وعطارين إلى آخر الحرف، كلهم أخذوا إلى الأناضول للعمل بالإجبار في الدولة العثمانية.. ولابد - وبالعقل - كانت هناك مقاومة ومحاولات هروب ووجهت بالعنف التركي المعلوم.. ناهيك عن الضحايا في ميادين القتال وما حول تلك الميادين ثم الضحايا أثناء خط سير الجيش الغازي، الذي هو محترف للعنف وإراقة الدم منذ جاء أجدادهم من آسيا الوسطى واكتسحوا ما في طريقهم حتى استقروا في الأناضول! إنها العقلية العثمانلية التركية التي تركت بصماتها في مناطق أخرى.. وما يجري في صعيد مصر تجاه المواطنين المصريين المسيحيين من محاولات للإقصاء والتهجير إلا صورة مصغرة من الموروث العثمانلي!
                             

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 21 سبتمبر 2016.