Wednesday, 7 September 2016

إسفين الشيشان!




أجدد النداء لأم الدنيا أن تفتح مؤسساتها العلمية والبحثية والثقافية أبوابها للعلماء والباحثين والمثقفين العرب أبناء الأقطار العربية التي ضربها الإعصار الهمجي التتري المعاصر، وأن يدخل الرئيس السيسي كل أبواب التاريخ بهذه الخطوة المتممة لما يقدمه بإخلاص لوطنه وأمته، وإذا كنت قد كتبت عن كيف تعيد أحداث التاريخ نفسها أحيانًا، وضربت مثلًا بهجوم التتار على فارس والعراق والشام، فإنني أستكمل اليوم بلقطة أخرى توحي وكأننا نعيش فعلًا في أزمنة غابرة، حتى إن اتصلت تفاصيلها بآخرين.

وقبل أن أستطرد فإنني أستأذنكم في أمرين، أولهما هو أن محاولات تخريب العلاقات المصرية- السعودية لم تهدأ، ويبدو أنها لن تهدأ، إذ ثبت للقاصي والداني أن صمود مصر في المحنة وسعيها للخروج منها يرتكز على شعبها وجيشها وقيادتها، ويرتكز أيضًا على الدور الواضح للأشقاء العرب في السعودية والإمارات، ولذلك فإن الذين يهدفون لكسر مصر وتركيعها يتجهون لضرب إرادة شعبها بالحصار والشائعات والإرهاب وغيره، ويتجهون أيضًا لتقويض العلاقات المصرية- العربية، خاصة مع السعودية والإمارات، بل وعلاقاتها الدولية كذلك مثلما حدث مع روسيا ومن بعدها إيطاليا.

أما الأمر الثاني فهو تحية تقدير للسفير أحمد قطان، سفير المملكة العربية السعودية، ومندوبها الدائم في الجامعة العربية، وعميد السلك الدبلوماسي العربي، الذي لا يمل ولا يكل عن تمتين أواصر العلاقة بين البلدين من جانب، ومن جانب آخر عن التصدي لكل محاولات تخريب العلاقة، وما أكثرها من محاولات، ولا يكتفي الرجل بوسائل الإعلام في هذين الشأنين، بل يسعى عمليًا للحوار الجاد المسؤول والواسع ودون أي قيود مع النخبة المصرية من مختلف الاتجاهات الفكرية والمشارب السياسية، وأستطيع أن أجزم بأن الرجل لا يضيق بالنقد الموضوعي أيا كان سقفه ويضيق مثل بقية البشر الأسوياء مما هو غير حقيقي وغير موضوعي.

ثم إن التكرار التاريخي الذي أتحدث عنه في هذه السطور يمس العلاقات المصرية- السعودية بعدما تعمد محترفو الاصطياد التقاط ما جرى في الشيشان وتصورا أنه الإسفين القوي الذي سيفعل ما لم تفعله أسافين سابقة!

قالوا إن الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر أخرج "الوهابية" و"السلفية" من زمرة الإسلام الوسطي الصحيح، وبذلك فهو يطعن في عقيدة الآخرين.. إلى آخر الهراء الذي اخترعوه، وكأن الأمة انتكست إلى مراحل تجاوزتها من زمن بعيد، وتجاوزتها أمم أخرى منذ أزمان أبعد! ذلك أن السؤال الوارد في هذا المقام هو: هل يحتاج الإسلام بعد خمسة عشر قرنا من بداية الدعوة إلى خلق فئة بيدها قرارات "القطع والحرمان" و"الغفران" وتحديد فحوى الإيمان؟!

وهل نحن بصدد إعادة ما جرى في مسيرة تاريخ مؤسسات دينية غير إسلامية سادها الخلاف والشقاق والاحتراب قرونًا طويلة فاضطرت لعقد مجامع عالمية "مسكونية"؟!

تعالوا ننظر تاريخ تلك المجامع المسكونية في مسيرة الكنيسة العالمية، حيث انعقدت ثمانية مجامع شرقية وانعقد ثلاثة عشر مجمعًا غربيًا.

والمجمع لقاء يضم البابا والأساقفة لبحث شؤون العقيدة والرد على الهرطقات وتحديد موقف من المهرطقين. وقد بدأ تاريخها في عهد الرسل، حيث كان أول مجمع في أورشليم عام 49 ميلادية بخصوص اهتداء الوثنيين، ثم مجمع ثانٍ عام 175، وبعدها جاء المجمع الشرقي الأول وهو مجمع نيقيا المسكوني الأولى عام 325 ميلادية لمناقشة تعاليم أريوس وتحديد موقف منها، وتلاه مجمع القسطنطينية الأول عام 381 ميلادية لمسألة انبثاق الروح القدس، وبعدها جاء مجمع أفسس الأول عام 431 ثم أفسس الثاني عام 449. إلى آخره، ولست بصدد مناقشة تلك المجامع؛ أي ما دار فيها وما ترتب عليها وما أدت إليه وغيره، بقدر ما أنا بصدد مناقشة مدى احتياج المسلمين الآن لما يشبه تلك المجامع، وليته يشبه الصحيح منها الذي أدى لوحدة الاعتقاد وسلامة التعبد، ولكنه كما نشاهد الآن أدى إلى التمزق والتشكيك المتبادل في الاعتقاد!

إننا مستميتون في إثبات حقيقة أننا نعيش فعليًا في القرن الخامس عشر الميلادي وليس الهجري، وأحيانا نستميت في إثبات أننا نعيش بداية العصور الوسطى ووسطها، عندما ارتفع لهيب الصراعات الدينية وظهرت الانشقاقات والفرق المهرطقة، واحتدم الاحتراب بين السلطتين الزمنية ممثلة في الإمبراطور والدينية ممثلة في البابا، وصار كل واحد وفريقه من خلفه يسعى لإثبات أنه الأحق بالولاية على المجتمع، حتى وصل الحال- كما كتبت منذ زمن في هذه الصفحة- بأحد البابوات وهو بونيفاس الثامن أن يصدر إعلانًا بابويًا بأنه- وبحكم جلوسه على كرسي القديس بطرس- هو الأحق وهو الوحيد الذي يجب ان يكون رأس الدولة!

مؤتمر في الشيشان تحدث فيه من تحدث عن اعتدال الإسلام ووسطيته وقيمه الصحيحة، وضرب البعض مثلا ببعض المذاهب والاتجاهات الفقهية كنماذج لتلك المضامين، ولا أظن أنه ورد في ذهن رجل عالم بقامة شيخ الأزهر وثقافته أنه هو الذي بيده منح صكوك الإيمان وشهادات الإسلام، وعندما قال إن أهل الحديث هم من تلك النماذج فإنه بذلك لم يسقط أحدا، وحتى وبفرض السهو أو بفرض سوق الأمور على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر فإن الأمر لا يعدو ندوة دار فيها حوار، وليست مجمعا مسكونيا تتحول قراراته إلى ما يصبح مرجعية عقيدية متممة لما جاء في الكتاب المقدس.

إن شيخ الأزهر مثله مثل السادة الأجلاء ممن هم على رأس مؤسسات دينية إسلامية في السعودية وغيرها ليسوا معصومين وليسوا مقدسين، وإنما يصيبون ويخطئون، وكلامهم ليس نصوصًا لا يأتيها الباطل، وكذلك تلك المؤتمرات أو اللقاءات مجرد اجتماع لمناقشة الهموم والمشاكل وتلمس سبل خروج الأمة من غمة ما أصابها وليس أكثر.

أخيرًا إن ما بين مصر وبين المملكة يتجاوز خلافًا فقهيًا هنا أو هناك، لأن ما بينهما ليس مبنيًا على وحدة العقيدة الدينية وحدها وفقط، وإنما هو علاقات تاريخية وثقافية واقتصادية واستراتيجية تتصل بالوجود العضوي لشعبي البلدين، وعلى محترفي الاصطياد هواة الانكفاء في الطين أن يلعبوا غيرها.
                              

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 8 سبتمبر 2016.