Wednesday, 21 September 2016

عندما أرادوه ميدانًا سماويًا




في غمرة انفعال ساخن روى أحد رؤساء التحرير السابقين لصحيفة قومية كبرى أو قل إنها الأكبر عن أن رئيس مجلس إدارتها آنذاك الذي كان محسوبا بل قل متقدما في مكانته لدى أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني، ويعرف بأنه خبير استراتيجي، طالب بأن يتدخل سلاح الطيران ويدك ميادين المظاهرات في ثورة يناير، وفي مقدمتها ميدان التحرير، وقال الاستراتيجي الذي عاد للبث بقدرة قادر أن السلطات الصينية فعلت ذلك في أحداث الميدان السماوي ولم يعترض أحد في العالم، ومر الأمر كأن لم يكن، ومضت الصين في طريقها حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن!

سمعت ذلك مع آخرين مستعد أن أذكر أسماءهم إذا لزم الأمر!.. وكان رئيس التحرير نفسه هو من استضيف في الصالون الثقافي بمنزل أحد السفراء العرب بالقاهرة، وكان ذلك قبل ثورة يناير بفترة وجيزة، وعندما اتجه الكلام لاحتمالات الغضب الشعبي ضد نظام مبارك، رد حضرته بثقة شديدة إذا حدث غضب شعبي فإن الجيش المصري سينزل وسيمسكهم من قفاهم إلى السجون، ومد أصابعه وكأنه يمسك أحدا من قفاه ليؤكد بالحركة ما يتحدث عنه بالكلمة!

وفي جلسة لمجموعة من علية القوم وظيفيا - سابقين في معظمهم- منذ عدة أسابيع جاء ذكر ما جرى في ثورة يناير، وإذا بالسيد رئيس التحرير السابق نفسه يقول بغضب شديد أن المتسبب في نجاح تلك الجريمة هو المشير طنطاوي!

أنا لا أتحدث عن أموات، وعلى استعداد لذكر الأسماء التي كدت أن أقول حروفها كاملة من خلال الوصف، وسبب تقليب هذه المواجع والإشارة إلى ما قالوه ليس أهميتهم مع احترامي لهم على المستوى الإنساني، ولكن السبب هو أن ثمة من يظن أو يعتقد أن نظام مبارك قام من الرماد وأنه يحكم عبر فلوله من جديد، وأنهم وهم محسوبون عليه، وهم أيضا من ضحايا يناير، لهم الحق في أن يقولوا ما يشاءون في حق الحراك الشعبي الهائل الذي جرى، ثم إنهم - وهذا هو بيت القصيد ومربط الفرس- يعتقدون أن الجيش المصري هو الذي سيضرب ويقمع ويبيد أي تحرك شعبي محتمل قد ينشب ويستهدف استئصال رموز ومضامين نظام مبارك، ومن بينهم عينات معروف عنها الآن المباهاة الفاجرة بأدوارها وأفكارها!

لقد ظنوا وهم يدمرون حياة هذا الوطن عبر الفساد والإفساد والاستبداد والفشل في الإدارة، حتى على مستوى جريدة، أن الجيش المصري هو "الغفير" الواقف على باب دوار العمدة بلغة أهلنا زمان، أو هو "السكيورتي" الواقف في مدخل الكومبوند وعلى باب الفيلا يقال له امنع واضرب فيمنع ويضرب!!

إنني أذكر الرد الذي رددت به على ما طرح في الصالون الثقافي إياه، وأكدت فيه أن الجيش المصري ليس عصابة في أمريكا اللاتينية، ولن ينحاز لحظة ضد إرادة الشعب وأيدني البعض إلا أن المتحدث ضحك بمودة وقال: "فلان خايف يتمسك من قفاه"!!

ولم تمض شهور قليلة حتى وقعت الواقعة وانحاز الجيش للشعب وانزوى رئيسا التحرير والإدارة بل واجه كلاهما أو أحدهما توجيه الاتهام بالفساد!

أظن، وليس كل الظن إثما، أن هؤلاء الذين تبددت مصالحهم وتبعثرت طموحاتهم مع كرامتهم بسبب ثورة الشعب المصري في يناير، يراهنون على العودة تدريجيا إلى ما كانوا عليه قبلها، ويمعنون في الهجوم عليها وعلى قيادة الجيش المصري آنذاك ممثلة في المشير طنطاوي، ويسعون إلى اصطناع فجوة وتعميقها بين الجيش المصري والشعب، وأيضا بين أجيال القيادة في جيشنا الوطني العريق، وأظنهم لن يتوقفوا عن التحريض على أن يمارس الحكم أقصى وأقسى أنواع العنف ضد أية احتمالات لتحرك شعبي، مثلما فلسفها الاستراتيجي إياه لنظام مبارك بحكاية "ميدان تيانانمن" أو "الميدان السماوي" في الصين!

إنهم ليبراليون عند الاستعراض في وسائل الإعلام، وأحرار فقط عند مصالحهم ووطنيون بدون حدود عند تأييد الأسرة الحاكمة السابقة، أما فيما عدا ذلك فالطائرات القاذفة والمدرعات كفيلة بتحقيق استمرار ليبراليتهم وحريتهم ووطنيتهم!

ولقد انتظرت مثلي مثل غيري أن ينطق باشاوات الرأسمالية المصرية ومنظروها ومقعروها ليقولوا للشعب أين وكيف السبيل لمواجهة احتكارات القمح والأرز ولبن الأطفال والسكر، ومواجهة الفساد البشع الذي تكشفت بعض جوانبه مؤخرا، وليوضحوا رأيهم فيمن يذهب لسداد سبعين أو ثمانين أو مائة مليون جنيه وهو واقف حتى يتم الإفراج عنه، ومن ثم ماذا عن ثروته أصلا ومنذ متى وهو يسرق في القمح وغير القمح؟!

إنهم يظنون أن معسكر أعداء النجاح وأعداء الاجتهاد وبتوع الشعارات الحنجورية يضعون العراقيل أمام كل ناجح مجتهد في عمله وبعرقه، ولطالما كتبوا متسائلين باستنكار عن أية جريمة تلك التي يرتكبها من يعمل ويجتهد فيكسب وتتعاظم ثروته، ولكنهم صمتوا صمت القبور عندما ظهر أن ليس كل من دخل الجامع متدينا وليس كل من دخل الخمارة عاصيا سكيرا، لأنه قد يدخل الجامع حرامي أحذية ونشال جيوب، وقد يدخل الخمارة من يبحث عن ابن أو أب لينقذه مما هو فيه!

لقد تعمدت أن أخالف تقاليد يراها البعض غير قابلة للمخالفة، وأعني بها كتمان ما يدور في جلسات عفوية بين أصدقاء ومعارف وضيوف، ولكن خطورة ما سمعته وما أسمعه وما أتابعه قد تدخل الأمر في باب الضرورات التي تبيح المحظورات.. ذلك أنهم يحاولون وضع الجيش المصري في مواجهة الشعب وفي معادلة لم يعرفها من قبل، وهي أن تلعن أجيال الحاضر أجيالا سبقت..
                          

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 22 سبتمبر 2016.