Wednesday, 14 September 2016

نحو إحياء ثقافي مصري




قبل أن أدخل في موضوع اليوم، وهو أهمية وجود مبادرة من مثقفين لتأسيس حركة إحياء ثقافي مصري، وهذا متمم لما كتبت عنه في مقال الأسبوع قبل الماضي، فإنني لا أخفي الحرج المضحك الذي يجد المرء نفسه واقعًا فيه دون عمد منه! ذلك أن كثيرين من أهل قريتي وقرى أخرى مجاورة وعديد من المعارف يظنون أن مجرد الكتابة المنتظمة في صحف مهمة، والظهور شبه المنتظم في التليفزيون المصري وبعض الفضائيات، وبخطاب ثقافي وسياسي مؤيد لثلاثين يونيو ومناصر للرئيس السيسي ومثمن وممتن لدور الجيش المصري؛ هي أمور تشير إلى أن صاحبها له حظوة ما في الدوائر الرسمية، وأنه إذا طلب إليه طلب بتوظيف شاب أو شابة، وعلاج مريض، وحل مشكلة تواجه الناس، فإنه سيستجاب له على الفور، وإلا لماذا هذا الموقف الذي لا بد وأنه مرتبط بمكانة ما! والناس عموما في عرض أي أحد يساعدهم على حل مشاكلهم الذاتية أو الجماعية، ويتعشمون في من يظنون أنه "طايل" ولا يصدقون مثلا أن العبد لله وكثيرين مثله لا نُدعى حتى إلى لقاءات الرئاسة بالمثقفين والصحفيين وغيرهم، بل إننا لا نعلم من الذي يوجه الدعوة وعلى أي أساس، وما أعلمه عن نفسي فإن الدعوة لو كانت تأتي من جهة رسمية كوزارة الثقافة ووزيرها، فإنني لن أُدعى حتى إن صعد الحمار الأسود على المئذنة.. يعني سابع المستحيلات، والأسباب كثيرة أهمها عدم الاستلطاف الذي يكنه السيد الوزير لعديدين ممن عرفوه عن قرب! ومع ذلك فإن هذا التجاهل لم ولن يثني أصحاب المواقف المبدئية عن مواصلة ما يتصدون له أو يدعون إليه، فالأمر أمر وطن ومستقبل أجيال وإذا لم يغرس المرء نبتته- حتى إن كانت القيامة تقوم- فإنه لا يستحق أن يكون إنسانا، وليت أهلنا الذين يتعشمون فينا أن نساعدهم عند الدوائر الرسمية أن يتلمسوا لنا الأعذار!

أما موضوعي اليوم فيتصل بما سبق وكتبته تحت عنوان "السيسي وأبواب التاريخ"، وناشدت السيد الرئيس أن تستضيف مصر العلماء والأدباء الذين ضاقت بهم الأرض في العراق وسوريا وفلسطين وليبيا، وأن ذلك يجب ان يتصل بإحياء ثقافي مصري.

لقد ثبت أن الوعي تصنعه الثقافة جنبا إلى جنب- إن لم تسبق- الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وأنه من الوارد أن نقيم مشروعات ضخمة في أكثر من مجال ولكنها تبقى مهددة بالفشل ما لم يكن وعي العاملين فيها والمشرفين عليها عميقًا بما فيه الكفاية، ملمًا بمقتضيات مصالح الوطن وآفاق حاضره ومستقبله.. بل إنه يمكن لأي مدّعٍ- خاصة ممن يضعون الدين في تناقض مع العلم والتقدم- أن يدمر وعي الناس بفتوى مصطنعة تزعم الاستناد إلى نص مقدس!

ولقد ثبت أن الموظفين، خاصة في مجال الثقافة، مهما علت درجاتهم بمن في ذلك الوزير.. لا يمكن أن يؤسسوا لإحياء ثقافي مصري واضح المعالم محدد المراحل، ولذلك فإن العبء ملقى على عاتق الجماعة الثقافية الوطنية من مختلف المشارب والتوجهات والتخصصات.. وهنا يحق لمن عرفوا وخالطوا مئات المثقفين أن يتساءلوا: لماذا نفشل في بناء حركة إحياء ثقافي شامل نقسم فيها المهام والأدوار ونتحمل المسؤولية في تجديد المضامين الثقافية المتهرئة وتغييرها إذا لزم الأمر.. ثم لماذا لا يفعل قانون التراكم الكمي فعله في حياتنا الثقافية والسائد هو التمزق والانقطاع؟!

وما أقصده هو أن مصر عاشت محاولات للإحياء الثقافي الشامل منذ أواخر القرن الثامن عشر، وكأنها كانت موجات تتبدد بمجرد الارتطام بشاطئ البناء الاجتماعي.. أي منذ محاولات حسن العطار ورفاعة، ثم محمد عبده وما تلاه إلى أن نصل إلى موجة الستينيات التي حلمنا فيها بتماثيل على الترعة ومسرح في كل جرن؟!

إننا نتذكر الحركة القوية التي التأم شملها في مواجهة وزير الثقافة الإخوانجي، وكيف أدى الحضور المكثف للمثقفين والفنانين والإصرار على الصمود إلى تغيير المعادلة، ثم عدنا وكأن شيئا لم يكن، رغم أن وزيرا كالوزير الحالي محسوب على قوى التقدم بحكم ما كان يعلنه ويعرفه عنه الفرقاء عندما كان صحفيا يرتاد حديقة نقابة الصحفيين؟! وربما كان المفتاح هو ما كان يردده عمنا الساخر الكبير محمود السعدني الذي كان يصيح في كتابته: "ولكن.. سبحانك ربي مغير الأحوال...".. تغير حال الأستاذ الصحفي عندما رأى جزرة المناصب تلعلع أمام ناظريه، ابتداء من الإدارة الصحفية، إلى إدارة الهيئات، ومن بعدها الوزارة! وربما لو ابتلينا بما ابتلي به غيرنا لصرنا أسوأ مما هم عليه، ولذلك فالحمد لله على نعمة البعد عن المناصب التي يبدو أنها جاءت اشتقاقا من "النصب"! وما علينا، ولنعد إلى موضوع الإحياء الثقافي الذي أعتقد أن الشروع فيه يجب أن يبدأ بردم الفجوات بين مراحل الإحياء.. لتصير خطا بيانيا متصلا فيه صعود وهبوط وليس خطوطا قزمية منفصلة متباعدة!

إن من مصلحة القوى التي تزعم لنفسها مرجعيات دينية- كالإخوان والسلفيين وغيرهما- أن يستمر تمزق النسيج الثقافي المصري وتشرذم مثقفيه واقتتالهم، لأنه الضمان الوحيد لهم لكي يملؤوا الفراغ بترهاتهم التي ثبت أنها تتحول إلى زاد للناس يلوكونه لأن فيه الظن بالخلاص الدنيوي، حيث يكفل الخلاص الأخروي.. وللحديث صلة.
                         

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 15 سبتمبر 2016.