Wednesday, 28 September 2016

الديكتاتورية ومحاولة اغتيال شخصية الرئيس




منذ زمن طويل صارت الاتهامات السياسية والعقائدية مثل الملابس، منها الجاهز ومنها التفصيل!!، وكان لكل اتجاه سياسي مهاراته في توجيه التهم لخصومه، وكانت الذروة وستبقى هي الوصول بالاتهامات إلى مرحلة اغتيال الشخصية.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر، كان اليسار الماركسي في مرحلة من المراحل يتفنن في إلصاق تهمة العمالة للأجهزة الأمنية "المباحث" لخصومه، فيما يطلق عليهم أوصافًا عقائدية من قبيل "البرجوازي الصغير" و"المراهق الثوري" و"عميل الثورة المضادة" و"الكومبرا دور"!

وكان الإخوان يتفننون في إلصاق تهمة الزندقة والفسق بغيرهم، ثم تصاعدوا بالتهمة ومعهم الجماعات الإسلامية إلى مستوى "الكفر"، ليكون كل من خالفهم "زنديقًا.. وفاسقًا.. وكافرًا"، ولأن الناصريين هم جزء من اليسار بوجه عام فلم يكونوا بمعزل عن توجيه الاتهامات لمخالفيهم أيضًا بالعمالة للأجهزة أو بالانتهازية وركوب الموجة أو بالاستغلال والانحراف عن الاشتراكية!

إلا أن عملية اغتيال الشخصية.. طالت حتى الآن اثنين من رموز الوطن، هما جمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي، فيما طال اغتيال الشخص أنور السادات. وواضح أن تهمة الديكتاتورية والاستبداد هي الأقوى في تصفية شخصية الرئيسين، لأنهما وبمحض الصدفة يشتركان في صفات تحول دون اغتيال شخصيتهما عبر تهم مثل الفساد والخمر والنساء والعمالة لوكالات الاستخبارات العالمية إلى آخره.

 وليس عجيبًا أن يلتقي الإرهابيون من إخوان وغيرهم مع بعض ممن يزعمون أنهم ليبراليون، وآخرين يزعمون أنهم اشتراكيون وغيرهم ممن يزعم أنه مصري وفقط على توجيه الاتهام بالديكتاتورية للرئيس السيسي، لأن هذه التهمة تلقى في معتقدهم قبولاً ورواجًا في دوائر الغرب الأوروبي والأمريكي، والمنظمات التي تحمل لافتات حقوق الإنسان وحماية الحريات وخلافه، ومن هذه النافذة أو البوابة يمكن التحفيز لحصار مصر سياسيًا واقتصاديًا ومعلوماتيًا، والتأثير بالتالي على قدرة السيسي في السير بالبلاد نحو الأهداف المرجوة من التنمية، والأخطر هو صرف النظر الدولي عن الجهد الجبار الذي تبذله مصر بقيادة السيسي في مواجهة ومحاربة الإرهاب المسلح، الذي يضرب الوجود المصري من عدة جبهات، وقدمت مصر من جيشها وشرطتها وقضاتها ومدنييها عشرات الشهداء في مواجهته، ناهيك عما تتكبده اقتصاديًا واجتماعيًا من تكاليف ينوء بحملها الجبال، في ظل نقص حاد في الموارد والإمكانيات!

شماعة الديكتاتورية إذن هي ما يستند إليها الإرهابيون من إخوان وجماعات، ومعهم من أشرت إليهم من زاعمي الليبرالية والاشتراكية لإجهاض أية نجاحات تحققها مصر بقيادة السيسي في كل المجالات الداخلية، ثم الخارجية بوجه خاص، لأن النجاحات المتوالية فيها تكاد تكون غير مسبوقة بالنسبة لمصر عبر عقود طويلة خلت!

إن القاعدة الأسلم في مواجهة الشائعات والترهات والادعاءات الباطلة هي تجاهلها، لأن مجرد مناقشتها يعني الاعتراف بها، ولكن ما نحن بصدده ليس شائعة بقدر ما هو سلاح قذر يصمم الخصم على استخدامه لحرمان وطننا من حصاد نتائج أية جهود تبذل وبإخلاص على كل الجبهات والأصعدة، ومن ثم فالأولى هو الرد والتفنيد وعدم الركون إلى قدرة الأطراف الأخرى الخارجية خصوصًا وبعض مناطق الوعي الهش السطحي داخليًا على فهم حقيقة هذه الترهات والادعاءات!

إننا لن نبدأ بتعريف الديكتاتورية ولا الفرق بينها وبين الأوتوقراطية، لأنه حتى "الديكتاتور" ملزم في كلاسيكيات العلوم السياسية وفي التاريخ بأن يستشير أقرانه الذين هو الأول بينهم، أما "الأوتوقراطور"، أي الحاكم الأوحد فلا إلزام له بالاستشارة!.. ولن نسوق أمثلة عن ديكتاتوريات نجحت في إنقاذ شعوبها من ويلات الحروب الأهلية ومن ربقة التخلف، وكان النموذج الواضح لها وإلى عهد قريب هو "فرانكو" في إسبانيا، الذي نجح في إنقاذ بلاده ووضعها على طريق الديمقراطية الصحيحة!

وما نبدأ به هو هل هناك أية ملامح للاستبداد الفردي في حكم الرئيس السيسي؟!.. هل هناك غياب للمؤسسات أو السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية.. وهل يغيب الفصل بين السلطات؟ وهل لا يوجد دستور؟ وهل تم تعطيل العمل بالقوانين، وهل هناك إجراءات ومحاكم استثنائية، وحالة طوارئ مستديمة في كل أرجاء البلاد، وهل يستأثر الرئيس وحده بصنع القرار واتخاذه، حيث صنع القرار سابق على اتخاذه؟!.. ثم هل يؤدي تحليل مضمون الخطاب السياسي للرئيس إلى استشفاق النزوع الاستبدادي الفردي لديه، حيث تكون سقطات اللسان تعبيرًا عن مكنونات مخبأة ونوايا مبيتة تنبئ أن المتحدث يبطن غير أو عكس ما يعلن؟!

الإجابة بكلمة واحدة هي: لا.. ودونما تفاصيل لأن إجابة كل سؤال واضحة عمليًا، وحتى السؤال الأخير حول تحليل مضمون الخطاب السياسي للرئيس فإن الإجابة هي الأخرى سلبية.. بمعنى أن الرجل في معظم أحاديثه، ولدرجة بدت إلحاحًا منه على معنى بذاته يريد أن يؤكده دومًا، وهو أنه واحد من الناس لا يتميز عنهم ولا فيهم، وأنه لن يستطيع أن يحقق إنجازًا وحده.. لأن يدًا واحدة لا تصفق.. وكذلك فإنه دومًا يتحدث عن "نون الجماعة"، "إحنا كلنا مع بعضنا".. "استعمل كلنا"! إلى آخر ما في هذا السياق!

أخيرًا لا بد أن نستوعب أن محاولات اغتيال شخصية الرئيس لن تتوقف، وإذا كانت أجهزة الأمن المنوط بها حماية شخصه قادرة على حمايته جسديًا فإن هذه الأجهزة لن تتمكن من التصدي لمحاولة اغتيال شخصيته، لأن هذا هو دور النخبة المثقفة المتفقة مع توجه الرئيس، والتي تقدر دوره وتدرك أن اغتيال شخصيته يصب لمصلحة الإرهاب والفوضى، ويمكن أعداء الوطن من وجود الوطن ومستقبله.
                           

نشرت في مجلة المصور في 28 سبتمبر 2016.