Wednesday, 26 October 2016

1956... حلقة في معركة صراع الإرادات




كثيرًا ما يجد الكاتب أن الموضوع يكتب نفسه، إذ بمجرد أن تأتي الفكرة حتى تتدفق المضامين بل والعبارات في الذهن، لتجد سبيلها للورق أو للوحة الكمبيوتر دون جهد، وإذا كان ثمة جهد فهو لكبح هذا التدفق كي يبقى محكومًا بالإيجاز والوضوح والدقة.. وهذا ما حدث بيني وبين 1956!!.. وأقول 1956 بالأرقام لأنني لو ذهبت إلى تحديد "أي 1956؟!" أي مجرد العنوان لكتبت أكثر مما هو وارد كتابته في إحدى الجزئيات!

1956 من زاويتي الذاتية هي ما حفر في ذهن صبي بلغ العاشرة يعيش مع أسرته في مدينة صغيرة هي دسوق بلد قطب الغوث مولانا إبراهيم ابن أبي المجد المشهور بالدسوقي.. وأما ما حفر فهو عميق وواسع لدرجة أنه يمكن أن يكون الموضوع كله.

أما 1956 من زوايا أخرى - بغير حصر - فهي الحلقة الصلبة المشعة من حلقات معركة الإرادة بين الشعب المصري وبين القوى التي ما فتئت تريد كسره.. ثم بينه وبين تحديات الفقر والجهل والمرض والتخلف والتبعية، ولذلك كان هو الشعب النموذج الذي ألهم فيلسوف التاريخ أرنولد توينبي البريطاني قانون "التحدي والاستجابة"، الذي رأى أنه هو الأساس في فهم الحركة التاريخية أو فهم علاقة الإنسان بالزمان.

وطالما بقيت هذه التحديات فإن معركة صراع الإرادات مستمرة منذ الماضي إلى الحاضر وأيضًا للمستقبل، تتعدد صورها وقد تختلف أطرافها ولكن مضمونها يبقى كما هو: شعب يريد الحياة حرًا كريمًا في كل جوانب حياته دون أن يعتدي على أحد، وأطراف وظروف تتقاطع مع هذه الإرادة لأسباب بغير حصر، وبحكم أن التاريخ هو حلقات متصلة ممتدة من الماضي للحاضر وللمستقبل، فإنه لا يمكن أن نفصل بين حلقة 1805 عندما ثار شعب مصر ليفرض إرادته على العثمانيين ليغيروا نمط الحكم الذي سار عليه ولاتهم، وبين حلقة 1882 عندما تحركت طلائع شعب مصر في جيشه لتتصدى للظلم والتمييز والنهب، ثم حلقة 1919 عندما تحرك الشعب كله لفرض إرادته لتحقيق الاستقلال والديموقراطية، ثم حلقات أخرى في 1935، و1946 وصولاً إلى 1952 حيث تم التغيير تمهيدًا للاستقلال فكان الجلاء 1954، وكان التوجه للبناء والتنمية بالسيطرة على موارد الثروة الوطنية، والاتجاه القوي للانطلاق من النهر إلى البحر عبر الدوائر الثلاث العربية والإفريقية والإسلامية بل والدولية.. ثم يتعاظم تفعيل الدور المصري المحقق للإرادة المصرية، فتأتي الوحدة العربية الأولى 1958 وهلم جرا، إلى أن نجد أنفسنا الآن في أوج معركة صراع الإرادات على كل المستويات: داخليًا وإقليميًا ودوليًا!!

إنه سياق يستوجب النظر بدقة شديدة إلى الإرادات الأخرى المتقاطعة مع الإرادة المصرية، وربما كان أسلوب "استبدال المقاعد" أو "تدوير الطاولة" مفيدًا في هذا النظر بمعنى أن نضع أنفسنا على المقاعد أو على الجانب الذي يجلس فيه الآخر المضاد، ونرى كيف يمكن أن يفكر وأن يخطط وأن يتحرك!، فقد نكتشف أن هذه المعركة المستمرة المتصلة تلزمنا إلزامًا حتميًا لا يحتمل التحلل منه بأن نطور أدواتنا ومناهجنا وكيفية إدارتنا مع بقاء أهدافنا ومبادئنا ثابتة لا تفريط فيها!

لقد كنا في معركة صراع الإرادات عندما وجدت القوى الدولية في القرن التاسع عشر أن تحرك الجيش المصري في 1881 والمطالب التي طالب بها قادة الثورة يمكن أن تحيي وتجدد الدور المصري الذي تم تقويضه بمعاهدة لندن 1840، وبدون أن أسهب في التفاصيل تدليلاً على ما أذهب إليه كان التدخل البريطاني والاحتلال يستهدف استمرار تقويض دور مصر، وأيضًا وضع مصر في جانب طرف بعينه في الصراع الاستعماري الدولي آنذاك!

وبقينا في صراع الإرادات عندما حققنا إنهاء الحكم الأوتوقراطي الملكي الفاسد، وحققنا اتفاقية جلاء المحتل، ثم أفصحنا عن تصميمنا على تنمية مستقلة صناعية زراعية ونهضة شاملة سياسية وثقافية وعلى وحدة عربية وعلى دعم حركات التحرر في العالم، واتجهنا عمليًا لتحقيق بدايات كل هذا السعي الإرادي وكان السعي لبناء السد العالي هو أبرز تلك البدايات.. عندها أدركت إرادة الاستعمار القديم ومعه الدولة الصهيونية أننا خطر قائم وأشد خطورة مستقبلاً، رغم أننا لم نبادر أحدًا بالعدوان ولا سعينا للاشتباك.. وفي هذا أذكر الواقعة المعروفة بعد قيام ثورة يوليو بفترة وجيزة عندما جاء زائر سياسي أمريكي لمصر، وبعدها اتجه للدولة الصهيونية وعند أول لقاء مع بن جوريون وشاريت ومائير قال لهم: جئتكم بأفضل وأهم خبر ممكن أن تتمنوا سماعه وهو أنني جلست مع عبد الناصر، وسألته عن أولويات أهداف نظامه فقال مباشرة: أولويتنا هي الانصراف لبناء وطننا بناءً قويًا على كل المستويات وليس في أجندتنا الدخول في حرب مع إسرائيل، عندها صاح الصهاينة: "هذا أسوأ خبر يمكن أن نسمعه في هذا القرن"!!

هكذا يمكن أن نلخص معركة صراع الإرادات.. إذ لم تكن 1956 عدوانًا ثلاثيًا على أرضنا وفقط بل كانت حلقة من حلقات تصميم الآخر الاستعماري والصهيوني على كسر إرادتنا ومصادرة حاضرنا ومستقبلنا!

درس 1805 وما تلا ذلك من حلقات وصولاً إلى اللحظة الراهنة ونحن في أوج معركة صراع الإرادات على المستويات الثلاثة داخليًا وإقليميًا ودوليًا، هو حتمية أن ندرك علميًا وعمليًا كيفية إدارة الصراع، وأن نعظم أوراق القوة التي في أيدينا، ومعلوم أن القوة ليست أسلحة وخطوط ذخيرة وفقط، وإنما معها وربما بأهمية موازية درجة تماسكنا الداخلي ودرجة اعتمادنا على ذاتنا الوطنية في اقتصادنا وخدماتنا وهلم جرا، وهو أمر يشهد كل من ليس في قلبه مرض أن الوطن يسعى إليه في هذه المرحلة.

كم وددت أن أكتب مستكملاً اللوحة بالحديث عن دور الكلمة واللحن والوجدان في معركة الإرادة لأرد ضمنًا على من تبجح وقال في محفل عام: "دور مصر كلام قديم وأغاني عبد الحليم لا تصنع دورًا".. قالها عبدالمنعم سعيد ليرد على سؤال للعبد لله منذ أكثر من شهر عندما حاولت أن أستوضح احتمالات التقاطع بين الدور المصري والدور السعودي على ضوء ورقة "المملكة في 2030"، التي كان يعرضها سعيد في ذلك المحفل.
                               

نشرت في جريدة المصور عدد رقم 4803 بتاريخ 26 أكتوبر 2016.