Thursday, 6 October 2016

قرح الحزب الوطني في الجسد المصري




صعب أن يلحس كاتب يفترض أنه يحترم فكره وقلمه رأيًا كتبه ودافع عنه من قبل.. هذا بمناسبة الطفح المتقيح الذي بدأ ينتشر على سطح المجال الفكري والثقافي والصحفي مؤخرًا، متمثلا في نفايات أفرزها الحزب الوطني ذات لحظات كالحة من تاريخ هذا الوطن!

كنت قد كتبت بعض المقالات بعد ثورة يناير أميز فيها بين ما أسميته مثقف الدولة وبين مثقف النظام، لأؤكد أن الأوطان لا تبني بالسالب ولا بالخصم من رصيد عقولها المتميزة، وأنه ليس كل من انتمى لتنظيم أو حزب بناه النظام من أعلى ثم انتهى ذلك التكوين يعد خائنا أو عميلا أو خادما أو انتهازيا، لأنه قد تمر فترات لا يملك فيها المثقف أو التقني العالم والباحث والمخطط ورجل التنفيذ إلا أن ينخرط في القنوات التنظيمية الرسمية ليتمكن من خدمة وطنه ويتجنب العراقيل التي توضع في طريق من هو بعيد عن العين ليصير بعيدًا بالتالي عن القلب! وسقت آنذاك أمثلة ابتداء من حسن العطار ورفاعة الطهطاوي اللذين انضويا في ظل محمد علي باشا ثم أجيال لحقتهما وصولا إلى تنظيمات ثورة يوليو من هيئة التحرير للاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي، إلى أن وصلنا لحزب مصر ثم الحزب الوطني!

نعم كانت الغالبية من جحافل غير الموهوبين المصابين بالأمية السياسية والثقافية والأخلاقية، وكان الصعود في غالب الأحيان من نصيب "اللبلاب.. والعليق"، تلك المتسلقات التي تحيط بجذوع الأشجار الرئيسية وتتسلقها فتخفيها وأحيانا تمتص غذاءها من عصارة تلك الأشجار، ولكن كان هناك أيضا أكفاء موهوبون علماء ثقافة وخلقا لم يجدوا سبيلا سوى هذه الدروب ليسلكوا فجاجها ليفيدوا وطنهم! ثم إنني ناشدت أولئك العلماء المثقفين المخلصين ألا ينكفئوا ولا ينعزلوا، وأن يبحثوا عن طريقة يستمر بها عطاؤهم لوطنهم وإلا صدقت فيهم مقولة الانتهازية، واستجاب بعضهم وبدأ في العطاء مجددا، إلا أن المرحلة الآن بدأت تشهد ظاهرة أقل ما توصف بها أنها "مقرفة" لأنها طفح قروح صديدية من بقايا الحزب الوطني!

وبداية فإن من يظن أن الخطر على الوطن وعلى المنظومة السياسية الحالية التي يقودها الرئيس السيسي يكمن في الإخوان الإرهابيين ومن على شاكلتهم بخلاياهم الإرهابية النائمة وشبه الكامنة والأخرى المتحركة في الخارج فهو واهم، لأنني أذهب بل أؤكد أن هذه القروح الصديدية أخطر من الإخوان بمراحل، مثلما هو خطر قرحة فراش تقيحت وحجبتها الأغطية عن نظر المعالج، فيما لم يغفل نظره ولا اهتمامه عن المرض الأصلي الذي أرقد المريض في سريره! وفجأة تأتي النهاية بسبب من آثار القرحة وتداعياتها وحدها!

ولأن الواجب المهني يقتضي أن يطالع المرء يوميا الصحف والمجلات وغيرها حتى مواقع التواصل الاجتماعي ليعرف ماذا يدور من حوله وليتابع ما يستحق المتابعة، فإنه رغم أنفه تقع عينه على القذى الذي تفرزه تلك القروح في صحافة رأس المال الخاص وفي بعض الصحف الحكومية، وإذا بالمرء يجد من هم فئران بالحقيقة- لأن هذا ما كانوا وبقوا عليه أيام مبارك ووريثه- لبسوا مسوح الكواسر فجأة وأنشبوا مخالبهم المسمومة في جسد الوطن لتتداخل وحشيتهم الرخيصة مع وحشية الإخوان الدنيئة، وليس لهم من هدف إلا سقوط المنظومة التي حمت الشعب في 25 يناير وصححت المسار في 30 يونيو ومضت في الطريق تزيح آلاف العقبات الوخيمة التي تراكمت منذ بداية الانفتاح الاقتصادي بل ومنذ السعي لإزالة آثار عدوان 1967.

لقد بقيت تقرحات الحزب الوطني كامنة في الجسد المصري مختبئة في مفاصله وعقده العصبية، وعندما بدأت في الظهور تبين أنها متمكنة من الاحتكارات، ولم ولن ترحم شعب مصر، ابتداء من القمح وليس انتهاء بلبن الأطفال.. وإذا أراد أحد التصدي لهم قيل: "اِلحق" إنهم ضد حرية التجارة.. وضد الاستثمار وضد الربح وضد المبادرات الفردية.. وإنها العودة لعصر الانغلاق والاشتراكية وحكم الفرد والديكتاتورية.. ثم تتكاتف جهودهم وحملاتهم لاغتيال شخصية جيش مصر الوطني ولاغتيال شخصية رئيس الجمهورية الذي بدأ بضرب المثال بنفسه عندما تنازل عن نصف راتبه وعن نصف ما ورثه عن أبيه، ولا يرتاح لحظة واحدة عن الإنجاز والعمل على الصعيدين الداخلي والخارجي!

نعم.. إنه "ثأر بايت" بين فلول الحزب الوطني وتقرحاته وبين القوات المسلحة المصرية، لأنني سمعت بأذني- وقد سبق أن كتبت ذلك- أحدهم يدين دور المشير طنطاوي في 25 يناير ويلقي باللائمة عليه في نجاح الشعب بإزاحة نظام مبارك ومن ثم رموز صحافته وثقافته.. وهنا أعيد إلى الأذهان ما سبق وكتبناه في أوج حكمهم من أن الرأسمالية الفاشية الحاكمة آنذاك لها جناحان، أحدهما هو الحزب الوطني والثاني هو الإخوان المسلمون الذين يشكلون الغطاء الأخلاقي لتلك الرأسمالية، ومن باب "أحل البيع وحرم الربا"، وكل ربح تجنيه تلك الرأسمالية مهما كان فحشه هو من باب الربح المباح، وإذا تم التصدي بأي طريقة لهذا الفحش قيل على الفور "المسلم على المسلم حرام.. دمه.. وعرضه.. وماله".. أي أن التأميم أو السيطرة على موارد الوطن أو حتى تنظيم الربح بحيث لا يكون فاحشا مبالغا في امتصاص دم الناس هو من باب الحرام المؤثم.. ولذلك كانت الشراكة بين نظام مبارك وبين الإخوان يوم أن احتلوا ما يزيد على ربع مقاعد البرلمان وسيطروا على أجزاء مفصلية مهمة في الاقتصاد المصري.

وبلغة مباشرة بسيطة أقول: إن الحرب ضد الإرهاب لا ينبغي أن تقتصر على محاربة المسلحين والإخوان والإرهابيين، بل يجب أن تشمل تلك القروح التي اختبأت طويلا وظهرت بفداحة الآن.. وفي المرة المقبلة قد أقدم أمثلة على تلك التقرحات من خلال ما يكتبونه ويشيعونه في الصحافة ووسائل الاتصال.
                           
نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 6 أكتوبر 2016.