Thursday, 13 October 2016

هيكل و«الأمريكى القبيح» 1961




كان ذلك فى فبراير 1961.. أى منذ خمسة وخمسين عاما وتسعة أشهر تقريبا، وقد وجدت بعض الوجاهة الموضوعية فى أن أقتبس فقرات مطولة مما كتب آنذاك.. لأننى رغم إدراكى أن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن الزمن مثل الأنهار لا تستحم فى مائها نفسه مرتين، لأنه يجرى أو يتحرك وإن كان آسنا، إلا أن التشابه بين المرحلتين واضح، وأعتقد أن الدرس المستفاد من هذا السياق التاريخى هو أن الأمريكان لا يتعلمون ولا يستفيدون من خبراتهم المتراكمة، لأنهم حتى هذه اللحظة يبادروننا بسؤال أظنه سؤالا أبله: لماذا تكرهوننا!.. ويبدو أنهم يستحمون فى نهر بلا ماء!!

المهم أننى كنت أقرأ ربما للمرة الثالثة نصوص مقالات كتبها الأستاذ محمد حسنين هيكل رحمة الله عليه، إذ أعاود الاطلاع على ما كتبه مرتبطا بالأحداث، ربما بحكم الالتقاء بين دراستى الجامعية للتاريخ وبين عملى الصحفي، ووجدت مقالا بعنوان «الأمريكى القبيح» والسياسة الأمريكية الفعلية كما رأيناها هذا الأسبوع، كتبه الأستاذ يوم 24 فبراير 1961، وهو منشور فى الجزء الثانى من سلسلة الأجزاء التى ينشرها مشكورا مركز الأهرام للنشر، ويبدأ الأستاذ مقاله بعبارة تقول: «كأنى من جديد أستعيد قراءة قصة «الأمريكى القبيح» التى كانت أروج ما أخرجته المطابع خلال السنوات الأخيرة الثلاث.. القصة كتبها اثنان من رجال الدبلوماسية الأمريكية هما «ويليام ليدرز» و»يوجين بيرويك» وصورا فيها بعض الملامح الناطقة للسياسة الأمريكية فى دول آسيا وإفريقيا، وأبرزا خلال المشاهد والمواقف هذا المزيج الغريب فيها من «السخافة» و»السفالة» وليس ذلك كلامى الضمير هنا عائد على هيكل ــ وإنما هو كلام صاحبى القصة فى روايتهما لخلاصة التجارب التى عاشاها فى خدمة الدبلوماسية الأمريكية»، ثم يستكمل هيكل: «.. وفى القاهرة هذا الأسبوع ــ فبراير 1961 ــ أحسست كما قلت وكأنى من جديد أستعيد قراءة قصة الأمريكى القبيح.. لم تكن حكاية على ورق ولا مشهدا على مسرح أو شاشة إنما كانت صورة حية على الطبيعة وملامح منها ترسم شكل الواقع وكلها تحوى هذا المزيج الغريب فى السياسة الأمريكية، كما تبدو من خلال الأمريكى القبيح.. مزيج من «السخافة» و»السفالة»!، ولست أحب هذين الوصفين فلقد تبدو فيهما نبرة تهجم ولكنها أمانة الترجمة عن «الأمريكى القبيح».

بعدها يسترسل الأستاذ فى مقاله، متحدثا عن سؤال وجهه مسئول أمريكى لأحد رجال سفارة الجمهورية العربية المتحدة ــ مصر ــ فى واشنطن عن تصويت مصر خمس عشرة مرة فى الأمم المتحدة تصويتا يتفق مع اتجاه الاتحاد السوفيتي.. ويذكر الأستاذ هيكل عينة من المسائل التى حدث فيها ذلك التصويت ومنها: مشروع يهدف لتصفية الاستعمار، والاقتراع على عضوية الصين الشعبية فى الأمم المتحدة، ومشروع قدمته غانا حول أزمة الكونغو، والاقتراع على شكوى من كوبا ضد أمريكا ومشروع بالإفراج عن لومومبا ونزع سلاح جنود موبوتو، واقتراع على مشروع لمنح الجزائر استقلالها، ومشروع لإدانة بلجيكا بالعدوان على الكونغو.. إلى آخره. ثم ينتقل الأستاذ هيكل لتجربة خاضها هو شخصيا، عندما وجد نفسه طرفا فى مناقشة مع صحفى أمريكى شهير التقى به فى الدار البيضاء، حيث أثار الأمريكى عدة قضايا بدأها بنكران مصر لجميل أمريكا فى كشف محاولة إسرائيل الحصول على قنبلة ذرية، ويرد الأستاذ بما نصه: «هل تريد أن تعرف الحقيقة ولا تغضب»؟ ويرد الأمريكي: «إنى أسمعك»!

هيكل: «لم يكن فى نشاط إسرائيل الذرى بالنسبة لنا سر.. كنا نتابع محاولاتها وأريدك أن تعرف أن إسرائيل بالنسبة لنا مشكلة حياة أو موت ولا نستطيع أن نتغافل عنها لحظة أو نغمض العيون يوما عن الرقابة عليها، ولعلى لا أتجاوز حدى إذا قلت لك إنه حتى ذلك المفاعل الذرى الجديد الذى تحاول إسرائيل بناءه فى النقب كانت له فى القاهرة صور ورسوم.. أما عن الهجوم عليكم فتفسيره بسيط، هو اعتقادنا والحقيقة أساسه فى أن مقدرة إسرائيل إنما ترتهن بعطائكم ومن غير هذا العطاء لا تقدر إسرائيل أن تدفع ثمن رغيف الخبز الذى تأكله».. ويستطرد الأستاذ كاشفا للصحفى الأمريكى السر الكامن وراء كشف أمريكا للنشاط الذرى الإسرائيلي: «إن رجال البوليس السرى الأمريكى ألقوا القبض على عالم ذرة أمريكى من أصل يهودى وهو يسلم وثائق خاصة بالأبحاث الذرية الأمريكية إلى أحد رجال السفارة الإسرائيلية، وهذا هو السبب الذى أدى للضجة والإعلان...»، «ومن عجب ـ والكلام مازال لهيكل ــ أننى منذ يومين ــ فبراير 1961ــ تلقيت رسالة من هذا الصحفى الأمريكى بعث بها إلىّ من واشنطن ولم تكن تحوى غير عبارة واحدة «لست غاضبا»!

ثم يختم الأستاذ هيكل مقاله الذى كتبه قبل خمسة وخمسين عاما فيكتب: «وكأنى كنت أقرأ فى قصة «الأمريكى القبيح» وأنا أسمع وأتابع بعض التصرفات الصادرة عن رجال السفارة الأمريكية فى القاهرة أحدهم برتبة وزير مفوض اسمه فرانسيس آلن لا يعجبه هذا البلد ولا يعجبه ما يجرى فيه وهو لا يكتم آراءه وإنما يدور يوزعها فى كل مكان لأنه كما يقول خبير قديم بمصر والمصريين منذ كان يعمل أثريا فى حفائر جامعة هارفارد قرب الهرم فى عهد ما قبل الثورة فى مصر وفى رأيه أنه ليست هناك ثورة لأن الفلاح المصرى فى تقديره لا يثور وإنما هو أسير حكم القدر عليه يرتضى الفقر ويرتضى الذل ولا يسعى لتبديل حاله، لأنه بليد غير قادر على الحركة وكل مشروعات التصنيع فى تصوره مجرد أحلام توسعية وحتى السد العالى ليس إلا هرما من نوع حديث يريد الحاكم أن يبنيه ليبقى تذكارا له.. والشعب المصرى يحب أمريكا ويعشق بريطانيا، ولكن حكامه ــ وحدهم ــ يعارضون سياسة أمريكا وبريطانيا مدفوعين بعقدة النقص لا أكثر ولا أقل.. ولم يكن أحد ليلوم الوزير المفوض الأمريكى فرانسيس آلن لو أنه يكتب هذا الرأى فى تقاريره لحكومته، فليس الذى يكتبه ولا الذى تقرأه حكومته بقادر على تغيير التاريخ، ولكن موضع اللوم أن ينسى الوزير الأمريكى نفسه فى القاهرة ويتصور أنه مازال بعد تائها فى الحفائر ضائعا فى العهد الملكى ناسيا مرور السنين..»، ثم يكتب الأستاذ عن أمريكى آخر: «وأحدهم أيضا »يجموند ناجورسكي« ذلك الذى ضبطوه وهو يوزع المنشورات على الكورنيش فى الصباح، ثم لا يجد ما يدافع به عن نفسه إلا التعلل بالهواء الذى هب، فتناثرت المنشورات من نافذة سيارته وطارت إلى الشارع.. ثم الملحق العسكرى فى السفارة الأمريكية فى القاهرة هذا الذى جلس فى إحدى الحفلات هذا الأسبوع ــ فبراير 1961 ــ يتحدث عن المظاهرة التى أحاطت بالسفارة الأمريكية فى القاهرة وراحت تهتف ضد السياسة الأمريكية التى خضبت يدها بدماء باتريس لومومبا، ثم يقول الملحق العسكرى الأمريكى إن بعض رجاله استعدوا داخل السفارة بمدافع التومى فى أيديهم، وأن الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين كان يمكن أن تصدر إليهم إذا ما اقتحمت المظاهرة الغاضبة أسوار السفارة.. ولست أعرف ماذا كان يمكن أن يحدث لو انطلقت من السفارة الأمريكية طلقة رصاص واحدة، وأغلب الظن أن الملحق العسكرى لا يعرف ماذا يمكن أن يحدث.. صور حية من قصة الأمريكى القبيح وملامح صادقة من شخصياتها.. ثم تغضبهم كلمة الحق»، انتهى الاقتباس من مقال الأستاذ .. فما أشبه الليلة بالبارحة.
                         

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 13 أكتوبر 2016.