Wednesday, 2 August 2017

"نيوتن"!! رغم أنوف كثيرة!!




لم يتوقف الحوار - رغم تقطعه - بين نيوتن وبيني منذ بدأت الكتابة في المصري اليوم أواخر شهر أكتوبر سنة 2012، وربما كانت أكثر مناطق الحوار سخونة هي الخاصة بثورة يوليو 1952 وجمال عبد الناصر والناصرية والناصريين، وأيضًا الاشتراكية، وكان نيوتن يؤكد دومًا على أنه يرى أن أبرز وأهم ما أسس له جمال عبد الناصر وظل مستمرًا، هو ما يتصل بالعلاقات الاجتماعية وحماية الفقراء، وللتبسيط غير المخل يضرب نيوتن مثلًا بأنه كان يستطيع قبل 1952 وهو من أسرة متنفذة اجتماعيًا أن يأمر بأن يغادر ذلك الفلاح القرية هو وأسرته وبهائمه - إذا كان لديه بهائم - في أسرع وقت، أي "بكرة الصبح"، وبعد الثورة وإلى الآن لم يعد أحد يستطيع أن يفعل ذلك مع أي فلاح! وعدا ذلك فقد كانت وظلت قراءة نيوتن للثورة وقائدها وأفكارها انتقادية حادة. وكنت بدوري أذهب إلى أن الثورة وقائدها وأفكارها لم تخل من أخطاء، وأن الأولى بالعناية هو استخلاص الدروس وتقديم البديل الذي لا يقع في إعادة إنتاج الظاهرة، وفي الأسبوع الأخير من يوليو 2017 كتب نيوتن ثلاث مقالات وألحق بها مقالة رابعة، تعد في نظري ذات أهمية خاصة، بل لا أتردد في اعتبارها أهم ما كتب في العقدين الماضيين عن حقبة مهمة من حقب تاريخ مصر، وبالطبع فلن أعيد ما كتبه نيوتن، لأن المقالات متاحة لمن يريد، وكانت كلها عن جمال عبد الناصر، ولكني أود أن أتوقف مليًا عند بعض الملاحظات، الأولى منها أن الكاتب قد أثبت أن الموضوعية واستهداف الصالح العام أمران ممكنان إذا أراد صاحب الرأي تكريسهما ليؤكد في الوقت نفسه ابتعاده عن الذاتية والشخصنة والتصيد، ذلك أن كثيرين ممن يتصدون لتقييم الأحداث التاريخية والشخصيات العامة تتوه منهم الحقيقة نتيجة أمرين هما، غياب الوثائق ونقص المصادر الرئيسية، والثاني، هو تعمد لي ذراع الوقائع وطمس بعض الجوانب لخدمة وجهة نظر معينة، فإذا انتفى الأمر الأول وظهرت الوثائق وتوافرت المصادر، وكان الأمر الثاني غير موجود بالأساس، وجدنا كتابة من الطراز الرفيع الذي كتبه نيوتن عن جمال عبد الناصر وممارسته للنقد الذاتي وللمراجعة الجذرية لنظامه.

الملاحظة الثانية، هي قدرة نيوتن على ربط الماضي بالحاضر عبر استخلاص الدروس وحتمية استيعابها والتساؤل عن عدم الاستفادة منها في المراحل التالية على وقوعها، ولم يتردد الكاتب في أن يضرب أمثلة قد يكون بعضها شديد الحساسية، وهذه شجاعة تحمد لصاحبها.

الملاحظة الثالثة، هي أنه في الوقت الذي كانت "المصري اليوم" تنشر ما كتبه نيوتن حول ناصر وقدرته على النقد الذاتي والمراجعة، ودقته في تحديد أخطاء نظامه، كانت تنشر لآخرين يتصيدون بين حين وآخر المناسبات التي تتصل بيوليو وناصر ليقترفوا نوعًا من الكتابة، يتصل بالبيولوجي ولا اتصال بينه وبين التاريخ وغيره من العلوم الاجتماعية بحال من الأحوال، وهذا البعض من مقترفي الكتابة أقرب ما يكونون إلى الكائنات المجهرية الدقيقة شديدة الضآلة وشديدة السمية في آنٍ واحد.. وفي البيولوجيا يتحول الجسد بالموت إلى جثمان، ويبدأ التحلل حتى التلاشي تقريبًا، بحيث تظهر تلك الكائنات المجهرية، التي تتغذى وتتكاثر وتفرز إفرازاتها السامة على ما هو ميكروسكوبي من بقايا بقايا الرفات، أما في عالم التاريخ وغيره من العلوم الاجتماعية فإن الحياة والتجارب الإنسانية تسير في دورات أو خطوط بيانية متصلة، ولا وجود لمقولات ومسلمات من نوع لقد مضى قوم أو مجتمع أو شخص، وانتهى كل ما فعلوه أو أنجزوه بنهايتهم.. ولذلك عرفنا دراسات جادة ومستمرة عن عصور ما قبل التاريخ، ثم العصور التاريخية منذ عرف الإنسان الكتابة بالرسم والرمز والحرف.

ويعجب المرء من جسارة – ولا أقول شجاعة – هذا النوع من مقترفي الكتابة الذين يدركون بالقطع أنهم وهم يعمدون إلى إصدار أحكام الإعدام على حقب ورموز تاريخية تتعدد زوايا النظر إليها وتقيميها، فهم يصدرون أحكامًا لا تقل إسفافًا عن شعوب بأكملها بقيت تحتفظ في وجدانها وعقلها بما هو إيجابي تجاه تلك الحقب والرموز!

وأعود إلى نيوتن لأقول له مجددًا ومسجلًا على الورق ومنشورًا هذه المرة لقد خدمك الحظ وعاونتك الصدفة - !!! - في أن تسجل المرة بعد المرة أن انتماءك العميق للوطنية المصرية، وللرؤية الليبرالية التي تحترم الآخر، ولقواعد الموضوعية العلمية هو انتماء حقيقي لا زيف فيه، وإذا أراد أحد أن أبرهن على ما أذهب إليه فلدي ما أبرهن به!

وما "الحظ والصدفة" إلا الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به، أو قل إنهما عوامل غير متوقعة ولا منظورة تساهم في واقع وصيرورة الظواهر الإنسانية.
                          

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 2 أغسطس 2017.