Wednesday, 30 August 2017

محاولة لتجاوز الأحزان




تقرأ فيما تحب أن تقرأ لتخرج ولو قليلا مما أنت فيه من حال تستوجب الخروج بل والهروب.. وما أثقل وأشد من حال فقد الأصدقاء والأحبة، ومنهم أعلام يدرك المرء كم هي خسارة الوطن برحيلهم، فتجد فيما تقرأ ما تود لو نقلته للناس، خاصة إذا اتصل الكلام بواقع مأزوم يعيشه الجميع.

التقطت كتاب "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" المعروف بالخطط المقريزية لأراجع بعضا مما كنت قد قرأته عن دخول العرب مصر، وتوقفت أمام معلومة فصل فيها المؤلف تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، قصة نشأة العلاقة بين عمرو بن العاص وبين مصر!

ذهبت إلى المقريزي أو بالأصح استدعيته بعد حوار دار بيني وبين بعض من التقيتهم في عزاء صديقي الغالي الأستاذ الدكتور علي السويسي، وكان العزاء في قاعة ضخمة بجمعية القرعان بحي الأربعين في السويس، وكان الحوار من حول ظاهرة النزوح من الصعيد خاصة إلى السويس، وامتد ليشمل ظاهرة الحراكات البشرية إلى مصر ومدنها وأرجائها بوجه عام، وتوقفنا عند دخول العرب مصر.. على أمل في استكمال الحوار!

وفي الحوار قلت إن عمرو بن العاص كان يأتي إلى مصر في الجاهلية ليستمتع بمدنيتها وعظمة ما فيها من عمران ومن مظاهر حضارية وثقافية، وأيضا ما فيها من متع تستهوي قادما من بيئة صحراوية يغلب عليها البساطة في كل شيء.. وقد اخترت صفة البساطة حتى لا أوغل في وصف صورة البيئة الصحراوية، بما قد يظن معه أنه للحط من شأن الصحراء وأهلها! وقلت يبدو أن عمرو انبهر بما رأى وعايش واستمتع، فلما جاءت اللحظة المناسبة انطلق لتكون مصر كلها له!

وبالطبع استنكر البعض هذا الذي بدا لي، فلما استدعيت المقريزي وجدت ما يلي نصا في "الجزء الأول ص 444 الطبعة الأولى لمكتبة مدبولي سنة 1997": ".. وقال ابن عبد الحكم‏:‏ فلما كانت سنة ثمان عشرة من الهجرة وقدم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الجابية خلا به عمرو بن العاص واستأذنه في المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخل في الجاهلية مصر وعرف طرقها ورأى كثرة ما فيها وكان سبب دخوله إياها أنه قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش فإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة في بيت المقدس فخرج في بعض جبالها يسيح وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، فبينما عمرو يرعى إبله إذ مرّ به ذلك الشماس وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحرّ، فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة له فشرب حتى روي ونام الشماس مكانه وكانت إلى جنب الشماس حيث نام حفرة خرجت منها حية عظيمة فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها. فلما استيقظ الشماس نظر إلى الحية وقال لعمرو‏:‏ ما هذه‏؟‏ وأخبره عمرو أنه رماها فقتلها، فأقبل إلى عمرو وقبّل رأسه وقال‏:‏ لقد أحياني الله بك مرّتين‏:‏ مرّة من شدّة العطش ومرّة من هذه الحية فما أقدمك هذه البلاد؟ فقال‏:‏ قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا، فقال له الشماس‏:‏ وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك فقال‏:‏ رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرًا فإني لا أملك إلا بعيرين، فقال له الشماس‏:‏ أرأيت دية أحدكم بينكم ما هي؟‏ قال‏:‏ مائة من الإبل فقال له الشماس‏:‏ لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير قال‏:‏ تكون ألف دينار، فقال له الشماس‏:‏ إني رجل غريب في هذه البلاد وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس وأسيح في هذه الجبال شهرًا، جعلت ذلك نذرًا على نفسي وقد قضيت ذلك وأريد الرجوع لبلادي، فهل لك أن تتبعني إلى بلادي ولك علىّ عهد اللّه وميثاقه أن أعطيك ديتين، لأن اللّه أحياني بك مرّتين فقال له عمرو‏:‏ أين بلادك؟ قال‏:‏ مصر، في مدينة يقال لها الإسكندرية، فقال له عمرو‏: لا أعرفها ولم أدخلها قط، فقال له الشماس‏:‏ لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها، فقال له عمرو‏:‏ تفي لي بما تقول ولي عليك بذلك العهد والميثاق، فقال له الشماس‏:‏ نعم ولك واللّه علىّ العهد والميثاق أن أفي لك وأن أردّك إلى أصحابك، فقال له عمرو‏:‏ وكم يكون مكثي في ذلك، قال‏:‏ تنطلق معي ذاهبًا عشرًا وتقيم عندنا عشرًا وترجع في عشر، ولك علىّ أن أحفظك ذاهبًا وأن أبعث معك من يحفظك راجعًا".

وطلب عمرو من الشماس أنه ينظره ليشاور أصحابه الذين ذهب إليهم وأخبرهم بما جرى، وطلب إليهم أن ينتظروا عودته ووعدهم بنصف ما سينال، وأن يصحبه رجل منهم يأتنس به، وانطلق مع الشماس حتى انتهوا إلى مصر.

ويقول المقريزي: "فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه، ومضى إلى الإسكندرية فنظر عمرو إلى كثرة ما فيها من الأموال والعمارة وجودة بنائها وكثرة أهلها، فازداد عجبًا ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدًا فيها عظيمًا يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ولهم كرة من ذهب مكالة يترامى بها ملوكهم وهم يتلقونها بأكمامهم وفيما اختبروا من تلك الكرة - على ما وصفها من مضى منهم - أنها من وقعت الكرة في كمه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكها. فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه وجلس عمرو والشماس مع الناس ذلك المجلس، حيث يترامون بالكرة فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو فعجبوا من ذلك وقالوا‏:‏ ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه المرّة أترى هذا الأعرابيّ يملكنا؟، هذا ما لا يكون أبدًا.. وإنّ ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية وأعلمهم أنّ عمرو أحياه مرّتين وأنه قد ضمن له ألفي دينار وسألهم أن يجمعوا ذلك فيما بينهم ففعلوا ودفعوها إلى عمرو الذي انطلق وصاحبه ومعهما دليل بعثه الشماس لهما وزوّدهما وأكرمهما حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها أموالًا فلما رجع لأصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفًا.. قال عمرو‏:‏ وكان أول مال اعتقدته وتأثلته"‏.‏. انتهى نص المقريزي الذي لو كنا نعرضه في متن بحث تاريخي لتعين أن نفككه ونحلله ونفسر ما غمض منه ونكشف دلالات عديدة فيه ومنه، إلا أن المساحة لا تسمح، ولكن النص يؤكد أن عمرو دخل مصر من قبل، وأن الأمر في دخول العرب مصر لا يقتصر على الجانب الديني وإنما يتعداه إلى ما انبهر به ابن العاص.
                              

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 30 أغسطس 2017.