Thursday, 31 August 2017

"فتح الخراريج"




أثار مقال الأسبوع الفائت جدلا حيا وقويا، حول مسألة التنوع والتعدد في المجتمعات العربية عموما، ومصر بوجه خاص، وقد بقي المصريون حريصين على وحدة نسيجهم الوطني بتنوعاته الثقافية والعقدية وغيرها، ولم ينف هذا الحرص مرور مصر بفترات حاولت فيها قوى عديدة متضافرة أو قل مستغلة ظروف انحطاط بعينها لنسف هذا التنوع داخل النسيج الوطني الواحد، وفي هذا كتبت عشرات الأبحاث وعقدت أيضا عشرات الندوات، ولا أظن أحدا يمكن أن يماري في أن ظروفا منحطة حاصرت وتحاصر المجتمع المصري، فلم تفلتها القوى التي أشير إليها من أجل تفتيت وتفكيك مصر.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن أخطر وأفدح - وعذرا لاستخدام أفعل التفضيل – ما في هذه الظروف المنحطة، هو إصرار بعض القوى من التي ترفع شعارات ومضامين التأسلم السياسي وتزعم استنادها لمرجعية دينية على جعل الأقباط المسيحيين المصريين أقلية يمارس عليها التمييز البشع دينيا وطائفيا واجتماعيا وثقافيا، في الوقت نفسه الذي يصر فيه مسيحيو مصر على أنهم مواطنون، وأن أحدا من كان وظروفا مهما انحطت لن يدفعهم إلى أية ممارسات أو مطالبات أو حتى أفكار تخرجهم من كونهم من صميم مكونات الدائرة الوطنية، إلى أن يصبحوا خطا موازيا أو متقاطعا يناوئ خطوطا أخرى.

ولقد تلقيت تعقيبات عديدة على مقال الأسبوع الفائت أستأذنكم في نشر بعضها في هذه المساحة، وهذا لا يعني التقليل من أهمية وجدية تعقيبات أخرى.

كتب الصديق العالم المرموق في طب القلب، وصاحب الباع الطويل في لغتنا العربية وآدابها، البروفسور شارل بشرى مجلي ما نصه: "يا سيدي الفاضل هذا مقال يدخل إلى عمق الحدث كعادتك معنا وعادتنا معك. لكني أسمح لنفسي أن أعلق على الشق المتعلق بقضية الأقباط المسيحيين في مصر كقبطي مسيحي مهموم ومهتم بالشأن العام وقضايا بلده. الأقباط هنا حالة خاصة فبعيداً عن التفاخر والتنابذ غير المحمودين يعلم الجميع أن أصل المصريين واحد يعود للجذع القبطي المتجذر منذ أيام الفراعنة وربما ما قبلها. طُعِمَت الشجرة المصرية بحكم الجغرافيا والتاريخ بأفرع متعددة كان أبرزها الفرع العربي، لكن أصلنا جميعاً كمصريين واحد، ولذلك أزعم أنه لا يوجد مسيحي مصري واحد في حالته الطبيعية وبعيداً عن انفعالات وقتية تعود للغبن والتمييز الممنهج الواقع ضد الأقباط المسيحيين والذي لا يمكن إنكاره.. أقول أنني أزعم أنه لا يوجد مسيحي واحد عاقل يفكر ولو مجرد التفكير في الترهات الانفصالية التي يطرحها بعض المتآمرين كجزء من مشروع الفوضى الخلاقة والخريف العربي. لا يفكر أي منا في وضع خاص للمسيحيين، لأننا نعلم أن أصل سكان البلاد جميعهم هم أقباط انحدروا من العرق الفرعوني اختار بعضهم الإسلام عندما وفد إلى مصر بينما بقي البعض الآخر على دينه المسيحي الذي دافع عنه بالدم عبر عصور مختلفة من الاضطهادات، كان أبرزها العصر الروماني. العنصر الچيني الغالب هو الأصل الفرعوني القبطي لسكان مصر منذ القدم، بينما كان عدد الوافدين من شبه الجزيرة العربية ضئيلاً بالنسبة لسكان البلاد الأصليين، فأصبح المردود الفعلي لدخول الچينات القادمة من شبه الجزيرة العربية ضئيلاً على أرض الواقع، كما أثبتت وتثبت الأبحاث العلمية، ولذلك فلا مجال هنا للحديث عن (عنصري الأمة) لأننا جميعاً بحكم التاريخ عنصر واحد. القبطي المسيحي المصري عندما تلطمه أنواء التمييز أو المضايقات أو الفقر قد يفكر في الهجرة لبلاد تُعلي من شأن حقوق الإنسان أو يهاجر إليها فعلاً، ولكن يظل قلبه مرتبطاً ببلاده متحسراً عليها وعلى كل قطعة من ذكرياته فيها. قد تأخذه حسرة من أخوة له عاملوه بما لا يستحق ولكنه لا يفكر في الانفصال عنهم طالما ظل على أرض بلاده.

وإنني أزعم - وبالقطع أتمنى- أن بلادنا الغالية ستتخطى هذا الحاجز المصطنع بين أبنائها في مستقبل قد يكون قريباً أو يبعد قليلاً عندما نتخطى الفجوة الحضارية التي تفصلنا عن بلاد متقدمة، تعتبر أن مجرد سؤالك لأي شخص عن دينه وما يعتقد يعتبر تعدياً سافراً على خصوصيته وعلى حقوق الإنسان في معتقده وإيمانه. هذا اليوم آت لا ريب فيه بحكم رياح العولمة وشيوع قيم حقوق الإنسان في هذا العالم الصغير الذي أصبح مجرد قرية كونية.... عندها سيكون الكلام عن (عنصري) الأمة هو من الأدبيات التاريخية.

آسف لإطالتي لكنك أثرت شجوناً وأحزاناً و(قلبت المواجع) كما يقولون يا صديقي المفكر.

وكتب الصديق القديم سليمان شفيق، العضو البارز في حزب التجمع ما نصه: "كنت ولا زلت من أبناء جيل تربى على أن إسرائيل هي العدو الرئيس في المنطقة، ولعل من فخري أنني في صدر الشباب التحقت بحركة التحرر الفلسطيني فتح، كما أنني أعتز بعروبتي، وأفخر أيضا أنني كنت ضمن فريق حذر من إنكار مسألة "الأقليات" أو الملل والنحل والأعراق أو التنوع.. إلخ من المسميات بل واشتركت في دراسة أكدت أن واحدة من أهم أسباب الوحدة العربية هي إنكار حقوق هؤلاء، ولعل المسؤولية الكبرى تقع على قادة قوميين عرب وبعثيين مثل الراحلين صدام حسين وحافظ الأسد، وقبل أن ندين، تصر آل بارزاني علينا، أن ندرس الأسباب التي دعتهم إلى الارتماء في حضن العدو وبدون دواعي الحذر، ومع احترامي لكل من يتحدثون عن النسيج والسبيكة، فإن المواطنين المصريين الأقباط يعانون من التمييز من الدولة والاضطهاد من الجماعات المتشددة، ويصل الأمر إلى دفعهم للصلاة في الشوارع وإغلاق الأمن لأماكن لعبادتهم.. إلخ، وعمنا أحمد الجمال رأى كيف قام مجموعة من المثقفين الأقباط بالتوقيع على بيان للتضامن مع الأقصى والآن يضار الأقباط ولا حس ولا خبر؟!!! وأنا أدق ناقوس الخطر ولو قام قبطي بالتواصل مع إسرائيل أو الولايات المتحدة لا تلوموا إلا أنفسكم، وهذه رسالة لأحمد الجمال قبل فوات الأوان مع خالص حبي وتقديري".

وكتب الأستاذ حسين شمون ما نصه: "التقسيمات التي يجري تعزيزها على المستويين الإعلامي والفكري، إن كان في الغرب أو في إسرائيل، متنوعة، ومنتشرة على نطاق واسع، وللأسف نرى أن الإعلام العربي، عن قصد أو عن غير قصد، قد تبناها وبات يراها من المسلمات. لقد أصبحت مصطلحات دول سنية ودول شيعية، بديهية في الكثير من هذا الإعلام، لا بل صار التعاطي مع الأقليات في مجتمع ما، باعتبارها مكونات مستقلة لها كياناتها ومفاهيمها الثقافية والحضارية المنفصلة عن باقي مكونات هذا المجتمع. لذا أرى شخصياً أن الصراع الحقيقي والواقعي في العالم العربي، هو صراع مشروعين لا ثالث لهما، إما مشروع التقسيم القائم على العنصر، وبالتالي تتزعمه إسرائيل انطلاقاً من مفهوم يهودية الدولة، كما ذكرتم سيدي الفاضل، وتكتسب من خلاله شرعية وعراقة. وإما مشروع الدولة الوطنية، ذات البعد القومي الثقافي، الذي يختزن كل الخصائص الحضارية المتنوعة، والتي كانت عناصر مساهمة في كل المراحل التاريخية للأمة. أعتقد أن هذا المشروع، وبالرغم من اعتقادي بصوابيته وبالحاجة إليه كضامن لمستقبل مجتمعاتنا، يحتاج إلى إعادة إنتاج انطلاقاً من التجارب السابقة وصولاً إلى بلورة مفاهيم عصرية جديدة، توضح الرؤى الاجتماعية والثقافية والسياسية، المتوخاة، إذ لا مجال للتقدم في مسارات وأهداف مرحلية، من دون وضوح الغاية النهائية. وإلا فإن جميع الجهود تضيع هباءً".. ولنا عودة مع تعقيبات أخرى مع القضية ذاتها.
                       

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 31 أغسطس 2017.