Wednesday, 23 August 2017

مع رفعت السعيد




كان ما بيننا وسيبقى إنسانيًا بشريًا، فيه من الإنسانية السمو، وفيه من البشرية الصراحة والعناد وأحيانا المكابرة والسخرية المتبادلة! عرفته معرفة يومية شبه لصيقة، فيما كنا نتردد على قاعة الدوريات الكائنة على "سطوح" دار الكتب القديمة في باب الخلق، وحيث كان الموظف المسؤول عن ذلك القسم المهمل من إدارة الدار- رغم أهميته القصوى كوثائق تاريخية- يتقاضى إكراميات من أي قيمة.. يعني علبة سجائر بلمونت أو فلوريدا "ماشي"، وشلن أو بريزة أيضا "ماشي"، وإذا كان الزبون جديدا وشامم نفسه- باعتباره باحثا علميا لدرجة الماجستير أو الدكتوراه، ويرفض دفع الإكرامية، وهو الاسم المهذب لما نعرفه عن الاسم الحقيقي، ويعتمد على نفسه- فإنه يتركه حتى يقول "جاي" ويتبعها بالاعتذار لعم عبد المنعم "معلهش يا حاج منعم.. ما كنتش أقصد"، إذ كان الموظف معتادًا على الحوار الذي يبدأ بعبارة محددة من ذلك القادم: "أريد الاطلاع على جريدة المؤيد أو السياسة- مثلًا- لسنة كذا وكذا"! ويرد الموظف: "ادخل الممر الذي على اليمين وامشي شوية.. وابحث هناك"، وعلى رأي العامة فإن التكملة هي: "ابقى قابلني لو عثرت على ما تريد".. وبعد جولتين أو ثلاث يبدأ الزبون في معرفة "سلو" المكان، فيلقي تحية الصباح أو المساء مشفوعة بالإكرامية.. وفي دقائق يكون المجلد المطلوب أمامه!

هناك التقيت رفعت السعيد عام 1971، أي منذ ستة وأربعين عامًا، وكنت أكتب بحثًا عن الشيخ علي عبد الرازق وأزمة كتاب الإسلام وأصول الحكم، وعثرت على مادة هائلة في جريدة السياسة، وأخذت أنقل المادة المنشورة، ومنها نص ما دار في جلسة هيئة كبار العلماء، تلك الجلسة التي نزعت فيها درجة العالمية من الرجل! وكان رفعت يجمع مادة عن الحياة السياسية المصرية في الفترة التي أرخ فيها للحركة الشيوعية.. وكنا ننتهي من سطوح باب الخلق لنمضي على أقدامنا مخترقين شارع حسن الأكبر لنتبادل العزومة على بعض الساندوتشات والمشروبات!

كان رفعت يسهم آنذاك في تحرير مجلة "الطليعة" ضمن كوكبة من رموز الفكر المادي الجدلي، وعلى رأسهم الأستاذ لطفي الخولي، الذي يتوق المرء- رغم طول السنين عقب رحيل لطفي- إلى طلعته، وهو "عاكم" السيجار بين شفتيه، وصوته يجلجل وضحكته تدوي! وكان من بينهم أسماء أخرى أشهد أننا تعلمنا منهم الكثير.. أذكر مثلا وليس حصرًا: أبو سيف يوسف وخيري عزيز وسمير كرم، وآخرين كانوا ينشرون إبداعهم الفكري والثقافي والسياسي في "الطليعة" من منظور مادي جدلي، أي ماركسي!

وعلى الناحية الأخرى كانت مجلة "الكاتب"، التي تعبر عن الاتجاه القومي، وعلى رأسها المفكر أحمد عباس صالح ومعه كوكبة أخرى من المفكرين القوميين اليساريين، ولكنهم ليسوا ماركسيين أو شيوعيين!

ثم كانت مجلة "الفكر المعاصر" التي يرأس تحريرها الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا، وتعبر عن الاتجاه الليبرالي.. ومجلات أخرى عديدة للمسرح والثقافة والسينما والسياسة الدولية.. أي أنه كان مناخًا تعدديًا حقيقيًا فيه منابر فكرية واضحة وبينها جدل جاد لا اصطناع فيه.

في ذلك المناخ كان رفعت وأنا وآخرون نتناقش ونختلف ونتصادم فكريًا، ولكننا كنا نأكل ونشرب ونمرح سويا بلا أحقاد أو ضغائن.

ثم كانت المحطة التالية عندما قرر الحاكم آنذاك، أنور السادات، أن يتجه لحياة سياسية حزبية، فقرر إنشاء المنابر داخل الاتحاد الاشتراكي العربي، التنظيم السياسي الواحد منذ أنشئ مطلع الستينيات، وتقدم العديدون لإنشاء منابر سياسية، وقرر جزء من الناصريين إنشاء منبر، كان في مقدمته المناضل الوطني الفذ كمال رفعت، ومعه كمال أحمد ومحمد سلماوي وصلاح دسوقي وعبد الحميد عطية وكاتب هذه السطور، فيما كان الجزء الآخر من الناصريين يرفضون حكاية المنابر والأحزاب لسببين، أولهما: أن الفكر الناصري- عندهم- لا يقبل الأحزاب باعتبارها صيغة سياسية برجوازية، وثانيهما: أن أنور السادات بكل ما يمثله فإنه يجسد الثورة المضادة لفكر ومبادئ ناصر وثورة يوليو، ومن ثم فإن القبول بدخول تلك التجربة فيه تحريف وانحراف وتواطؤ!

وأذكر أن كمال رفعت كلّفني بكتابة برنامج المنبر الاشتراكي العربي الناصري، وجلست في مكتب أحمد لطفي واكد، المجاور لمكتب كمال رفعت في دار النشر التي كانا يمتلكانها، وكتبت، وطبع البرنامج، وذهبنا- كمال رفعت وكمال أحمد وأنا- لتقديمه للجنة مستقبل العمل السياسي، وهناك التقينا رفعت السعيد مع آخرين، ولما رفض السادات منبر الناصريين تقرر إقامة منبر مشترك لكل قوى اليسار، وانعقدت الجلسات التنسيقية في مكتب خالد محيي الدين، وحضرها معه كل من فؤاد مرسي وإسماعيل صبري عبد الله وأبو سيف يوسف وعلي طلخان ومحمد شطا ورفعت السعيد، وكان كمال رفعت وعبد الحميد عطية وأنا نمثل الجانب القومي الناصري، وتوصلنا لتسمية الكيان المشترك "التجمع الوطني التقدمي الوحدوي"، واختصارها مثلما كانت تختصر أسماء الأحزاب الشيوعية "توتو"، مثل "حدتو" و"نحشم" وغيرهما، أي الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، ونحو حزب شيوعي موحد.

في المناقشات ومن بعدها في الحزب وفي المؤتمرات والندوات بل وفي بعض السيمنارات العلمية، خاصة في قسمي التاريخ بآداب عين شمس، وفي كلية البنات؛ كنت ألتقي رفعت السعيد، وكنا نتحاور ونختلف ونصطدم ونعاند ونكابر، وأشهد أنه رغم أي خلاف كان لا يتردد في تقديم أي معاونة أو خدمة تطلب إليه، وأنه كان كريمًا مع أي محتاج، وكان عفّ اللسان، متسع الإدراك، متنوع المصادر الثقافية، فله في الشعر والنثر والأدب والفن والتراث والتاريخ، وله باع لا يبارى في إدارة المناورات السياسية لكي تصب في صالح الحركة الشيوعية التي كان ينتمي لها، ولم يكن يخفي ذلك أو يخفف منه.

لقد كتب من كتبوا مشيدين بمواقف وكتابات رفعت ضد التأسلم السياسي، وكتاباته الثرية في تاريخ الحركة الشيوعية، ولكن الأهم الذي يجب أن يكتب عنه وباستفاضة هو قراءة دور رفعت في حركة اليسار المصري ككل.. أي الماركسي والناصري والقومي، بمختلف تفريعاتهم، لأنه في اعتقادي دور مهم وأحيانا خطير، فيه إيجابيات وفيه سلبيات، شأنه شأن كل أعمال البشر.. طبت حيًا جسدًا وطبت حيًا روحًا يا رفيق!
                           

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 23 أغسطس 2017.