Thursday, 17 August 2017

من القديم يأتي الجديد




من الرحم ذاته يولد التقي والفاسق والمقتصد، أي الذي خلط عملا صالحا بآخر غير صالح!.. وللظروف ذاتها تتعدد زوايا الرؤية وتختلف وأيضا تتصادم، فالسكون الذي يراه البعض هدوءا وقبولا على قاعدة "السكوت علامة الرضا" يراه آخرون نذير عاصفة قد لا تبقي ولا تذر!، لأن الفرق كبير بين السكون وبين السكوت، ويكفي القول أن المتوقع الوحيد بعد السكوت هو النطق أي الكلام!!، أما المتوقع بعد السكون فهو مروحة تمتد من النطق إلى الحركة.. والحركة تتراوح بين الإيماء وبين العنف إلى أقصى مدى!

ومن المخلوقات من لديه القدرة على توقع ما بعد السكون، إذ تأخذ بعض الحيوانات والطيور بل والحشرات في إصدار الأصوات والانطلاق في الحركة لدرجة القفز من الأماكن المغلقة أو التي بالقرب من المياه قبيل حدوث الزلازل، وكذلك في مملكة الإنسان هناك من لديه القدرة على توقع ما بعد السكون، وأنا هنا لا أتكلم عمّن لديهم علم من الكتاب، أي علم لدني يمكنهم من خرق الزمان والمكان، ولا أتكلم عن الذين لديهم ملكة الحدس وبعض دراية بمواقع النجوم، وإنما أتكلم عن المسلحين بنوعين خطيرين من الأسلحة، الأول هو الوجدان السليم والعقل اليقظ المدرب، والسلاح الثاني هو العلم أو قل الضفيرة العلمية المجدول فيها التاريخ مع الاجتماع مع علم النفس الاجتماعي مع السياسة، وقد كان صديقي الكبير الراحل الأستاذ كامل زهيري مسلحا بدرجة أو أخرى بهذين السلاحين، إذ أشهد أنه قبل يناير 2011 كان دوما ما يقول أنه "شامم ريحة شياط وموت تخيم على مصر، وأنه خايف من أن يكون الاختراق المعادي قد وصل إلى سرطنة نخاع البلد"!!

وهنا قد أحتاج لتوضيح لازم، هو أنني لا أمارس "التنبيط" على الوضع القائم، ولا أمهد للتنصل ومن ثم القفز من مركب اخترت الوجود فيه وعمدت إلى بذل الجهد، الذي هو أقصى ما أستطيعه ليبقى صامدا في مواجهة عنف التيارات وعدم مواتاة الريح في كثير من الأوقات، ولكنني وكما أسلفت في مقال فائت كان عنوانه "مثقفون بغير أطماع" فإن لكل مرحلة من المراحل السياسية ضروراتها وأولوياتها ومن ثم منهجها وأدواتها، وقد يفاجأ من لا يلتفتون إلا إلى مكاسبهم الذاتية أن صاحب القرار أو صانعيه يتجهون إلى إعادة إنتاج ملامح من مراحل سابقة، كان يظن أو يعتقد أنها مضت وولت بغير رجعة، ولكنهم إذا أعطوا أنفسهم فرصة للتفكير غير الأسير لمصالحهم الضيقة لعرفوا أن هناك من البشر ما هو مبرمج كالآلة يمكن أن تستخدمها وتلبي هي طلباتك طالما عرفت كيف تعمل تلك الآلة.. وإذا انقضى زمنها ظهرت طرز أكثر فاعلية وكفاءة ثم تغييرها، فيما بشر آخرون يستعصون على أن يعملوا بالأزرار!..

وأعود إلى حتمية قراءة السكون قراءة تعتمد على وجود السلاحين اللذين أشرت إليهما، وهما الوجدان السليم والعقل اليقظ المدرب، ومعهما ضفيرة التاريخ والاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والسياسة!

ولقد قيل قديما نسبيا أن الشعب المصري يشبه النيل يفيض ويغدق، أو يقحط ويبخل فيما الناس لا تتوقع هذا ولا ذاك، ولذلك كان حرص المصريين على مراقبة حركة المياه في النهر من عند مساقط الأمطار في هضبة الحبشة، وعلى طول المجرى في أثيوبيا والسودان إلى مصر، ولذلك أيضا وتحسبا من مفاجأة الفيضان المدمر أو القحط الحارق لجأ المصريون - شأن بقية الشعوب الحية الموجودة في بيئات نهرية- إلى بناء السدود والخزانات والقناطر والأهوسة، وصار الري علما عمليا يدرس في كليات الهندسة ويرتقي الباحث إلى الدكتوراه وما فوقها!

ومن النهر والري إلى البشر والمجتمع نكتشف أن السدود والخزانات والقناطر والأهوسة تصبح السلطات التي يجب الفصل بينها والمؤسسات التي يجب أن تعلو فوق الأفراد والدستور والقوانين والمواطنة وحقوق الإنسان! وبغير ذلك يصبح الحراك الاجتماعي والآخر السياسي شاردين في تدفقهما بغير ضفاف ولا أهداف، وتكون الفوضى هي مضمون الثورة، ويتصدر الفالصو الواجهات بدلا عن الجوهر الحر الذي لا شائبة فيه!

إننا نستطيع أن نقرأ مسار السكون إذا استطعنا أن نرصد وبدقة شديدة وضع السلطات ودور المؤسسات وفعالية الدستور والقانون ومدى تحقق المواطنة وحقوق الإنسان ليس بمنطق وأسلوب وممارسات الأرزقية إياهم، ولكن بما استقر في وجدان الإنسانية، وخاصة حق الإنسان في الأمن والاستقرار والعمل والترفيه، وحق الإنسان الذي يقتل وهو يدافع عن أمن وطنه ضد الإرهاب تحديدا.

ونستطيع أن نتوقع حجم الطاقة المكبوتة التي يختزنها المجتمع طالما لا تجد مسارات لتوظيفها وتحويلها إلى منتج يفيد الأمة ككل.. وهنا الفرق كبير بين سخونة تعصف بالجسد الاجتماعي نتيجة الاحتباس الحراري وطاقة لم تجد منفذا مناسبا، وبين سخونة مصدرها النشاط والحيوية والحركة السليمة!

ثم إننا نستطيع تقدير الأمر إذا رصدنا مدى ثبات القوى المساندة للحكم القائم على مواقفها ومدى اتساعها أو تآكلها..
                              

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 17 أغسطس 2017.