Thursday, 3 August 2017

مثقفون بغير أطماع




نعم.. توجد عينة محترمة من المثقفين المهمومين بالشأن العام، ووقفوا وقفة صلبة لم ولن تلين مع إرادة التغيير في يناير ويونيو، وكلما مضت الأيام واتسعت التحديات وتعمقت، وظهرت بالتالي بعض السلبيات على السطح ازداد موقفهم رسوخًا وصلابة في تأييد نظام الثلاثين من يونيو وقائده، دون طموح أو سعي منهم لأي مكسب ذاتي من أي نوع وأية درجة، بل والأكثر من ذلك هو أنهم يرون اللقاءات والندوات والمؤتمرات التي تنعقد فلا يدعون إليها، ويرون المجالس تتشكل فلا تضمهم قوائمها، فيما هم يعرفون عن قرب طبيعة وتكوين ومسلكيات بعض ممن تتكرر أسماؤهم في اللقاءات والندوات والمؤتمرات والمجالس، وفيما هم أيضًا يملكون - عند بعضهم على الأقل - كفاءات ورؤى أكثر دراية وعمقًا بهموم الوطن من غيرهم!

وتدرك تلك العينة من المهمومين بالشأن العام أنه في فترات معينة من مسيرة الحكم الوطني، خاصة ذلك الذي يأتي بعد مرحلة تحلل وفوضى وضعف للدولة تبدو الاستعانة بنماذج ذات سمات خاصة حتمية ولا بديل عنها! وبالتالي يصبح استبعاد أو تأجيل الاستعانة بنماذج أخرى أمرًا منطقيًا ومقبولًا!

وللتوضيح بعد تلك العبارة الغامضة فإن نظام الحكم الذي يحمل على عاتقه مسؤولية صنع الاستقرار، وإعادة بناء ما تهدم من المؤسسات، يجد أن الاستعانة بالنماذج التي شاركت في التغيير وتقدمت بعض الصفوف، وأجادت لغة الاحتجاج وخطاب المعارضة، تشكل عائقًا صعبًا قد يعطل مهمة صنع الاستقرار وإعادة البناء، بينما النماذج التي اكتسبت مهارات سابقة للتعامل مع الحكومة والأجهزة، ومع صانعي القرار ومع متخذه، أي مع الدولة بوجه عام، يمكن الاعتماد عليها في المرحلة الانتقالية الحاسمة، ولذلك وبذلك يمكن أن نفسر ببساطة ظهور أسماء وأوجه كانت موجودة في مواقع مماثلة أثناء وجود نظم حكم سابقة أو ساقطة!

وأزعم أن لدي ما قد أسميه "حالة دراسة" لهذا الذي أذهب إليه، حيث ضمت الحكومة بعد ثورة يناير أسماء تنتمي للأجنحة الليبرالية والناصرية والماركسية من أجنحة المعارضة أيام نظام مبارك، ومنها أسماء كانت تتصدر أحزابًا معروفة، وأخرى كانت تتصدر المظاهرات، وثالثة لها سمعة مرموقة في مجال الاقتصاد والسياسة، ولو كانت هناك عملية رصد دقيق وتقييم موضوعي لكانت النتيجة فيما أظن سلبية لحد كبير.. ولا أريد الآن أن أخوض في ذكر الأسماء والمناصب والمحصلة.. ناهيك عن أسماء أخرى تولت وتتولى مواقع نقابية قيادية، وتنتمي لتلك التيارات القومية أو اليسارية، ولم يكن أداؤها بالشكل الذي كان يفترض حدوثه!

عندئذ كان الانعطاف نحو من سبق اختبارهم في المهام التي أوكلت إليهم من نظم سابقة قبل ثورتي يناير ويونيو، لأنهم على الأقل لا يدعون حيازة حق الندية والشراكة، ولا يزعمون امتلاك الحكمة بأثر رجعي، والامتلاك الحصري للرؤية السليمة والمنهج الثوري الوحيد والفريد، والأهم أنهم وباللغة الدارجة "يسمعون الكلام"، أو يلتقطون الإشارة ويترجمونها لفعل مادي دون حاجة إلى تفاصيل وتعليمات!

وليس هذا الذي أذهب إليه انتقاصًا من شأن أحد، ولا طعنًا في كفاءة آخرين، ولا غمزًا في أصحاب قرار الاختيار، ولكنه واقع يتكرر في كثير من الدول والمجتمعات، خاصة في فترات إعادة البناء وترميم ما تداعى بناؤه.

ثم إنني سبق وكتبت منذ عدة سنوات عمن أسميتهم مثقفي الدولة، وميزت بينهم وبين مثقفي النظام.. إذ كثيرًا ما يجد المثقف المتعلم الخبير صاحب الرؤية والمقدرة التنفيذية نفسه وقد انتظم في الهياكل الرسمية، لأنه لا سبيل أمامه لخدمة الوطن وبناء الدولة إلا العمل من داخل المؤسسات القائمة، وقد عرفت مصر نماذج لذلك منذ الشيخ حسن العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي إلى العشرات من الأساتذة والخبراء، الذين ارتبطوا بالمؤسسات السياسية القائمة، ولا يمكن منطقيًا أن تعلق المشانق لمن لم يجد سبيلًا لأداء مهمته العلمية أو التقنية إلا بالوجود والتوافق مع مؤسسة الحكم، وهي نوعية تختلف عن ماسحي الجوخ الآكلين على كل الموائد، الباذلين كرامتهم تحت أقدام الحكام، وغالبًا ما يكونون من عديمي الموهبة منعدمي الكرامة!.. ناهيك عن أن الأوطان في مراحل التحول، بل وفي كل المراحل، لا تبنى على قاعدة الحذف المستمر من قوائم أبنائها الأكفاء، بل لا بد من الاستفادة القصوى من كل كفء في موقعه!

ولقد عرفت مصر نماذج فذة من أولئك المثقفين المحترمين، الذين وقفوا وأيدوا الدولة وقيادتها بكل قوة، رغم معاناتهم من الاستبعاد، بل وأحيانًا تكبيل حريتهم، وفي هذا المقام تتعين الإشارة إلى أسماء كإسماعيل صبري عبدالله، وفؤاد مرسي، وعبد العظيم أنيس، وأحمد الرفاعي، وإبراهيم عبدالحليم، من قادة اليسار المصري في الخمسينيات والستينيات، الذين لم يوفروا جهدًا في دعم القيادة الناصرية والتغاضي عن سلبيات كثيرة، بل وعن الأذى الذي لحق بهم وهم قيد الاعتقال!

إن الأوطان في فترة معينة تحتاج لمن يحملون المهام الرسالية، وهم مترفعون عن المغانم والكراسي والألقاب والامتيازات أيًا كان إغراؤها.
                                        

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 3 أغسطس 2017.