Wednesday, 1 November 2017

مصر العميقة: سلالتان من البشر




أتمنى أن يستفيق الذين يعاونون الإرهاب ويصبون مزيدًا من الوقود في ماكينته الجهنمية الملعونة، والتعاون الذي أعنيه هو ما دأب عليه البعض من أصحاب رؤوس الأموال، ومن الذين يحسبون بحكم درجة التعليم وطبيعة النشاط من النخبة المتعلمة والمثقفة، حيث يعمدون إلى صب اللعنات وإهالة تراب الجهل والجحود وعدم الانتماء وانعدام الوفاء على صفحات مجيدة من تاريخ وطننا حفلت بالسعي للاستقلال والتنمية والتحرر والعدل الاجتماعي، وسطرت بعض تلك الصفحات بدماء الشهداء من المقاتلين ومن المقاومين.. من جيشنا وشرطتنا، ومن أبناء الشعب الآخرين، أي المدنيين. ذلك أن أبرز وأهم أهداف الإرهاب هو إصابة الوطن كله بالعقم وبالانخلاع من الجذور وتدمير الأصول، بحيث تأتي أجيال لقيطة لا نسب وطنيًا لها ولا انتماء حضاريًا أو ثقافيًا لديها بعد أن تتآكل القيم الوطنية والإنسانية العليا التي سكنت وجدان الأمة وحركت إرادة الحياة الحرة في كيانها فكان أن شهد عصرها الحديث كمثال ثورتي القاهرة الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية، وبعدها ثورة 1805 التي خلعت الوالي العثماني الظالم، وفرضت حاكمًا اختارته واشترطت عليه، ثم 1881 و1919 إلى 1935 ثم كانت ثورة 1952 وصولًا إلى موجتي الثورة الكبرى في 2011 و2013 .. وأكاد أقطع أنه لا يوجد شعب آخر لديه هذه الحيوية. من هنا لن يمل البعض ولن يكل، ومنهم كاتب هذه السطور، عن بذل كل المستطاع من أجل استنهاض همة الأمة وتجلية أعظم سماتها الحضارية والثقافية، ولذلك تأتي هذه المقالات عن مصر العميقة.. مصر المقاومة.. مصر الفعل الشعبي المقاتل ضد الاحتلال وضد العدوان والذي لا يعرف الاقتتال ويرفضه ويدينه، بل ويقاومه ويشارك قواته المسلحة وشرطته الوطنية في التصدي له.

ولقد عرفت مصر شأنها شأن كل المجتمعات البشرية سلالات ثقافية، وأخرى اجتماعية توزعت بين من فضّل الركوع والاستسلام للمحتل والتعاون معه بمنطق شاع في ثقافات أخرى يقول: "إن لم يكن هناك بد من أن تغتصب فاقبل واستمتع"!!، وبين سلالات فضلت المقاومة والصمود فيها والتضحية بكل شيء حتى الروح والاستمتاع بذلك!

ولقد كانت هزيمة 1967 أحد معايير الفرز بين السلالتين اللتين أفصحتا عن نفسيهما بطريقة واضحة، إذ وجدنا السلالة التي تنعمت بكل إنجازات وعظمة ما قبل يونيو 1967 وعندما وقعت الهزيمة وجدناها تعلن عن كفرها بكل شيء وعن الخديعة التي تعرضت لها وعن.. وعن.. ولذلك فقد اتجهت إلى رفض كل التجربة وإدانة كل ما ومن ينتمي إليها.. ووجدنا سلالة أخرى لم تتمتع بالإنجازات وبالعظمة ولم تأخذ سوى امتيازات مشروعة بسيطة، ومع ذلك فقد قررت أن تبقى على ولائها وعلى صمودها، وقررت أن تقاوم وأن تستمر في المقاومة، لأنها أدركت أن السفينة هي الوطن.. وأن هناك فرقًا ضخمًا وبلا حدود بين الإنسان وبين الفئران.. الأخيرة هي أول من يقفز من السفينة إذا داهمها حريق أو غرق طالما إن إمكانية الاستمرار في الاستمتاع بالمخازن والمطابخ أضحت غير متوقعة، أما الأول، أي الإنسان، فالوطن ليس سفينة في بحر ولكنه أرض وتراب وتراث وأسلاف وحضارة وثقافة وانتماء ووجود وكل ما يمكن أن يمثل قيمة بالنسبة للإنسان.. وهذا بالضبط هو الفرق بين نموذج كالسيد عمرو موسى الذي تنعم بالعمل والاستمتاع بالتميز، في ظل التجربة الوطنية حتى 1967 ومجرد وقوع الهزيمة أخذ قرارًا برفض كل التجربة ورفض الانتماء إليها بينه وبين نفسه، فيما استمر في أبهة العمل بالخارجية حتى أصبح وزيراً!.. وبين نموذج المقاومين في السويس وفي مدن القناة، والآخرين الذين استمروا قابضين على جمر انتمائهم الوطني، وشمروا عن سواعدهم وبذلوا أرواحهم للتصدي للعدوان ومقاومته والانتصار عليه!!.. وكان من قبلهم في النموذج ذاته أمثال عبد الله النديم، الذي لم يستسلم لهزيمة الثورة 1881 وذهب إلى مصر العميقة يحتمي بأهلها، وليقدم نموذجًا فذًا لأدب المقاومة وسلوك المقاومين.

لقد بقي من أبطال المقاومة في السويس التي اتخذت منها نموذجًا أكتب عنه في ذكرى الانتصار بضعة أفراد منهم إذا لم تخني الذاكرة أحمد عطيفي، وعبد المنعم قناوي، ومحمود بدر، ومحمود طه.. وهنا لا بد من التوقف طويلًا أمام منظمة سيناء العربية، التي تأسست بعد الهزيمة برعاية المخابرات الحربية المصرية، وضمت في صفوفها أكرم وأنبل أبناء المحروسة من أهل سيناء ومن أهل السويس وغيرهما من محافظات المواجهة!

ولقد كتب الزميل الصديق الأستاذ محمد الشافعي، الصحفي المرموق، كتابًا عن بطولات منظمة سيناء العربية، متخذًا من محمد طه "غزال المقاومة" حالة للدراسة، وكتب الأستاذ الصديق الراحل حامد حسب كتابًا عن السويس تجربة مدينة، وكتب البطل المقاوم عضو المنظمة أحمد عطيفي كتيبًا عن مسيرة حياة فدائي، ورغم ذلك فإنني أعتقد أن قصة منظمة سيناء العربية ومسيرة هذا العمل الوطني المدني الفذ لم تأخذ حقها بعد، سواء بالنسبة للفدائيين من السويس أو زملائهم من سيناء، ومنهم أصدقاء عرفتهم عن قرب، وعرفت ما بذلوه كالشيخ حسن بن علي بن حسن خلف السويركي!

إنني لن أتمكن في مساحة هذا المقال من أن أكتب كل ما يفي بحق تلك المسيرة الوطنية المقاومة المقاتلة الجبارة التي تجلى فيها أعظم ما يملكه الإنسان المصري من قيم وسمات حضارية وثقافية، ولكن ضيق المساحة قد يسمح بأن أناشد القائد الوطني الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن يوجه بالاهتمام بالسويس وإعادة ترميم ما بها من آثار تاريخية مهمة، وإقامة متحف وطني للسويس يكون صرحًا ثقافيًا مهمًا يحتوي كل ما يمكن أن يكون له صلة بكفاح أبناء السويس المصريين، في مقاومة الاحتلال والصمود، ومنع العدو من اتخاذ السويس ورقة ضغط على القرار والإرادة الوطنيين في 1973.

ومع ترميم الآثار وإقامة المتحف.. لا بد من تكريم من تبقوا على قيد الحياة من أبطال المقاومة، وتكريم أسماء من رحلوا بالاستشهاد أو بالموت! والمجد والخلود لشهدائنا عبر العصور حتى الآن والعزة للوطن.
                            

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 2 نوفمبر 2017.